حقيقةٌ حضاريّةٌ لا تزيغ، وسُنّةٌ اجتماعيّةٌ لا تتخلّف: أن المجتمعات الحيّة إنما تستقيم علائقها على حُسن العهد، ورعاية الذِّمام، ومعرفة الفضل لأهله؛ فإذا راج سوق الامتنان فيها رقَّت الشمائل، وتواشجت القلوب، واستحصد بنيانها، وغدت أحرى بالنماء، وأدنى إلى الرقي، وأخلق بأن تتبوّأ منازل العز والازدهار.وقد استغرقني هذا المعنى وأنا أتدبّر رسالة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه، جواباً عن الرسالة الوضيئة التي صدّر بها أخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، كتابه «الرسائل»، فأودعه زُبدة الأعوام، وعُصارة التجارب، وثَمَر الحكمة الإماراتية التي محّصتها الأيام، وشذّبتها الحوادث، وصحّحها طول المزاولة.
وكان من براعة الوفاء أن يستفتح سموه كتابه برسالةٍ إلى رئيس الدولة؛ فالصدارة لأصحاب الصدور، وفاتحة السِّفر أحقّ الناس بأشرف سطوره. وإنما يُستهلّ الحديث بعنوانه، ويُشار في حندس الليل إلى مطلع هلاله؛ فرئيس الدولة أول العناوين، وفاتحة الكلام، وواسطة العقد في سِفر الوطن الرفيع.
وما كانت تلك كلماتٍ تُقرأ ثم ينقضي أمدها، ولا رسالةً تستوفي غرضها ثم تُطوى صحيفتها؛ وإنما هي مناجاة قلبين التأما على الوطن، وعهد أخوّةٍ قديمٌ لم تَزِده الأيام إلا استيثاقاً، ووثيقةٌ من وثائق الاتحاد كُتبت بمداد الوفاء قبل أن تُكتب بمداد الأقلام. فيها من صفاء السريرة ما يُؤنس النفوس، ومن رعاية الذمام ما يوقظ المروءة، ومن رسوخ الأخوّة ما يُطمئن الشعب إلى أن بنيان الإمارات مرصوصٌ بقلوبٍ متآلفة، وعزائم متساندة، وخطىً تعرف جادّتها ولا تنكص عن غايتها.
إنها أكبر من رسالة، وأغزر من كلمات؛ إنها تاريخٌ أُطلق له اللسان، وقيمٌ خرجت من حيّز المعاني إلى مشهد الحياة، ووطنٌ باح بسرّ قوته على لسان رجاله. فيها ماضي الإمارات وإرثها، وحاضرها ومنجزها، ومستقبلها ورجاؤها؛ وفيها للأجيال موعظةٌ باقية: أن الاتحاد لا تحرسه المواثيق وحدها، وإنما تحرسه القلوب إذا تصافت، والعهود إذا رُعيت، والهمم إذا اجتمعت على قبلةٍ واحدة. إنها بحق: «رسالة وطن».
وكانت كلمة «أخي» مفتاح الرسالتين ومشكاتهما؛ وما أندى هذه الكلمة إذا جرت على لسان المودّة، وما أجلّها إذا صدرت عن ذوي المقامات! كلمةٌ ضئيلة المبنى، عريضة المعنى، يرفّ في جوانبها الصفاء، ويضوع منها شذا القربى، وتلتقي عندها القلوب قبل أن تتصافح الأيدي. ثم جاء الرد السامي وافياً بفضلها، زائداً في حُسنها: «أخي وصديقي ورفيق دربي وتاج راسي وعضيدي في السير على نهج زايد»؛ فكان جواباً من ذلك المعدن الكريم، وتحيّةً يلوح في أثنائها أدب القرآن: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾.
وهكذا سجايا الكبار؛ إذا ذُكر عندهم الفضل نمَّوه، وإذا أُهدي إليهم الوفاء ردّوه مضاعفاً، وإذا ألقيت إليهم الكلمة الطيبة أعادوها مضمّخةً بالودّ، مترعةً بالثناء. فمن عظم قدره كمل ردّه، ومن شرفت خليقته أوسع لصاحبه في الحمد؛ لأن المعروف إذا وقع في نفسٍ كريمةٍ أنبت معروفاً، والفضل إذا سُقي بماء المروءة عاد غديراً لا ينضب.
وما دام الوطن قبلة العزائم، ومناط الآمال، والميزان الذي توزن به المواقف، فإن أصفى الوشائج ما عُقد على خدمته، وأكرم الصحبة ما اجتمعت على رفعته، وأوثق الأخوّة ما جعلت من عز الإمارات وكرامة شعبها غايةً لا تدانيها غاية. وذلك هو جوهر الرسالتين وروحهما: أن الوطن ليس رقعةً تحدّها التخوم، وإنما هو معنى يجري في الأفئدة، وشريانٌ يبعث الحياة في جميع الأركان، وأمانةٌ تتعاقب عليها السواعد، وعهدٌ تتوارثه الأجيال مصوناً من الوهن، منيعاً على التفرّق.
وتبقى شهادة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في أخيه رئيس الدولة صفحةً غرّاء من صفحات الوفاء، إذ قال: «إلى الأخ الذي شاركته حب زايد.. ورأيت فيه حكمة زايد.. ورحمة زايد، وبصيرة زايد». وما أكرمها من شهادة! قد جمعت في ألفاظها تاريخاً، واختصرت في معانيها سيرةً، وردّت الحاضر إلى ينبوعه الأول: إلى زايد، رحمه الله؛ حيث الحكمة إذا ادلهمّ الخطب، والرحمة إذا اشتدّ الأمر، والبصيرة إذا اشتبهت المسالك وتشعّبت السبل.
وليس ذكر زايد في الرسالتين استدعاءً لذكرى انقضت، وإنما هو استحضارٌ للنهج الذي ما برح سارياً في ضمير الدولة، جارياً في طرائق الحكم، بادياً في صيانة الإنسان، ورعاية الوطن، واستباق الغد. فزايد في هذه المعاني أبو الاتحاد، وفي هذه الأخوّة روحها، وفي هذا الوفاء أصله العريق؛ كأن الرسالتين غصنان باسقان من تلك الروضة التي رسخت في الأرض، وامتدّ في سماء الإمارات ظلّها وثمرها.
وكل فقرةٍ في هذه الرسالة أبهى من أختها، وأغنى بالدلالة من ظاهر لفظها؛ حتى لتستحق أن تتوّج بها صدور مناهجنا، وتُثبت في لوحات متاحفنا، وتقرؤها أجيالنا شاهداً على سيرة قائدٍ بذل لوطنه صفوة العمر، وحمل أمانته في كل طور، وصان الدين والوطن والقيم الإنسانية، حتى غدا، كما وصفه أخوه، «رجل دولة فرض احترام بلاده على العالم».
وهي شهادةٌ جلّ قدرها عن أن يستوفي الشكر حقّها، وعظم فضلها حتى كلَّ الثناء عن بلوغ غايتها:
رَهَنْتُ يَدِي لِلْعَجْزِ عَنْ شُكْرِ بِرِّهِ
وَمَا فَوْقَ شُكْرِي لِلشَّكُورِ مَزِيدُ
إنها رسائلُ في رسالةٍ واحدة: رسالةٌ إلى كل مواطن، وإلى كل بيت، وإلى كل قلبٍ يخفق بحب هذه الأرض. رسالةٌ إلى الآباء أن يورّثوا أبناءهم الوفاء كما يورّثونهم الأسماء، وإلى الشباب أن المستقبل لا يُستنزل بالتمنّي، وإنما يُدرك بالجد، ويُعمّر بالعمل، ويُصان بمضاعفة الإنجاز. ورسالةٌ إلى كل مسؤولٍ وموظفٍ وعاملٍ أن الامتنان خُلُقٌ حضاري، وأن الجهر بالفضل لا يغضّ من المقامات، وإنما يزيدها سموقاً ويكسوها جلالاً.
وقد بلغت الرسالتان أفئدة شعب الإمارات قبل أسماعهم؛ لأن الكلام إذا انبعث من القلب اهتدى إلى القلب من غير دليل. فتلقّاهما الناس بوعيٍ واعتزاز، ورأوا فيهما المثال الأعلى في القدوة والامتنان، واستلهموا منهما ما تستصلح به الوظائف، وتأتلف به الأسر، وتصفو به العلائق، وتُصان به أواصر المجتمع.
وستبقيان مورداً عذباً تكرع منه الأجيال، وعهداً نفيساً يتناقله الأبناء، مردّدين مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «نحن وشعبك معك يا أخي في هذه الرحلة العظيمة».فاللهم احفظ سيدي صاحب السمو رئيس الدولة، واحفظ أخاه ونائبه، وأدم على الإمارات ائتلافها وعزّها وبهاءها، واجعل رايتها خفّاقةً بالمجد، وخطاها موصولةً بالخير، وعهدها بالاتحاد وثيقاً خالداً ما تعاقب الليل والنهار.
*رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة


