رغم سيل استطلاعات الرأي العام في إسرائيل قبل وبعد إغلاق باب الترشيح لانتخابات الكنيست، ومنافسة 38 لائحة انتخابية ستتصارع على 120 مقعداً، وأن 12 قائمة منها ستنجح و26 قائمة ستسقط.. فإن الأمر ليس واضحاً في ظل الصراع بين قيادات حزبية صاعدة بقوة، من أمثال يائير جولان وعوفر فينتر وغيرهما، وهي قيادات ليس لديها رؤية سياسية واضحة حول إدارة الدولة، ولا تملك تاريخاً في مجال السياسة أو خبرة في التعامل مع ملف الصراع مع الفلسطينيين أو التعامل مع المحيطَين الإقليمي والدولي، وإن كان لها تاريخ عسكري معترف به.. وبين ساسة قدامى ظلّوا في دائرة الحكم منذ سنوات وعلى رأسهم نتنياهو وليبرمان وغيرهما من الذين اكتسبوا خبرةً في التعامل مع ملفات الداخل والخارج.
ورغم أن نتنياهو ليس عسكرياً، فإن أنصاره يعتبرون أنه نجح في حسم التعامل مع المستوى العسكري، وذلك لخبرته الممتدة في الحكم، وهو ما يدفعه للتعامل الاستباقي مع أغلب قادة اليمين، ومنهم ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وغيرهما من الصاعدين على بساط خطاب إعلامي متطرف.
ولهذا فإن غياب الرؤية سيؤدي بالدولة الإسرائيلية، كما يتردد على ألسنة الأكاديميين والمحللين العسكريين، إلى كارثة، لا سيما وأن المرشحين من قيادات سياسية ما زالوا مجموعات من الهواة الذين ينظرون لانتخابات الكنيست كفرصة للظهور السياسي والإعلامي اعتماداً على تاريخ عسكري سابق، دون أن يكون لديهم إلمام حقيقي بشؤون الحكم وإدارة الأوضاع وإعادة ترتيب السياسات.
وربما لذلك السبب فإن الجمهور الإسرائيلي لن يتجه للتصويت على برامج أو أحزاب فقط، وإنما على أشخاص، الأمر الذي يتطلب مراجعة المشهد، خاصة أن هناك مَن يرى في إسرائيل أن الإعلام الإسرائيلي، وعلى مختلف درجاته، هو الذي سيصوت بالفعل وسيكون في واجهة ما سيجري من خيارات أو مسارات حقيقية ستعمل عليها الانتخابات المقبلة، خاصة أن الحديث عن محددات رئيسية ستحكم المشهد الانتخابي لن يكون مجدياً في نهاية التقييمات التي يمكن العمل عليها.
في هذا السياق يشير الواقع الراهن للنخبة الحالية أو المرشحة للالتحاق بالمشهد إلى أن إسرائيل على موعد من الحسابات الضيقة والسياسات العقيمة ليس لاحتمالات صعود شخصيات لا تحمل إرثاً سياسياً فقط، بل ولأن المزايدات الانتخابية الراهنة لن تأتي بقيادات حزبية وازنة أو لديها المصداقية في نظر الجمهور الإسرائيلي. ولهذا فهناك توقع بأن تشهد الانتخابات المقبلة ظاهرتي الأصوات العائمة، والتصويت الاحتجاجي.
ولذلك أيضاً فإن صعود نجم ايزنكوت يصب في هذا الاتجاه، خاصة أن المجتمع الإسرائيلي لديه الرغبة في عودة العسكريين إلى الحكم بصورة مباشرة وممارسة السياسة بصورة علانية.
ولعل هذا الأمر مع إرادة مجتمع ليس لديه الرغبة في التوجه نحو السلام وإعطاء الفلسطينيين ولو جزءاً من حقوقهم، مما يتطلب بالفعل العملَ على مسارات متعددة بما فيها تشكيل الحكومة المقبلة بعناصر محددة قد لا تمثل تغييراً كبيراً بالقياس إلى ما يجري من تحولات وتقلبات في السياسة الإسرائيلية.
ورغم أن حزب «الليكود» طرح أسماء جديدة، فإنها في الأغلب محسوبة على نتنياهو، ولا تملك رؤية حزبية يمكن الوقوف أمامها. ومن هذه الأسماء جابي اشنكازي وموشيه كحلون ورون ديرمر وحاييم بيباس.. وغيرهم، وهذا ما يعني أن أي تغيير محتمل في إدارة النخبة مستبعد بالفعل، وأن مَن سيدير الحكومة الإسرائيلية المقبلة، أياً كان، سيقوم بذلك في إطار تدوير محتمل ومنضبط، وداخل دائرة صغيرة.
وهذا أيضاً ما يعني أن السياسة الإسرائيلية قد لا تشهد تغييرات كبرى، وأن الرهان على البديل لنتنياهو سيكون في إطار مكرر، ولن يأتي بتغيير كبير. وكل ذلك حفاظاً على إدارة الدولة الإسرائيلية، وتحديد مسارها واتجاه سياستها، بصرف النظر عن طبيعة النخبة التي ستتولى القيادة. ومهما يكن فإن مراكز القوى والإعلام هي الموجه لأي سياسة يمكن أن تتجه إليها إسرائيل في مرحلة ما بعد الانتخابات.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية


