على مدى عقود، اعتمدت صناعة الأزياء السريعة التي تملأ خزانتك على معادلة بسيطة، إذ تقوم مصانع الملابس في بنجلاديش، التي يبلغ عددها نحو 4000 مصنع، بحياكة وقص وتجميع الملابس بالاعتماد على واحدة من أرخص فئات العمالة الماهرة. ويوفر الغاز المستخرج من الحقول المحلية طاقة زهيدة للكهرباء والتدفئة اللازمة لأنوال النسيج وأحواض الصباغة وآلات الخياطة، في حين تُمول الصادراتُ النمو الاقتصادي.
إلا أن الغاز زهيد الثمن بدأ ينفد منذ سنوات، وقد تنضب الاحتياطيات بحلول عام 2031. وبدلاً من الإسراع في تطوير بدائل نظيفة، لجأت بنجلاديش إلى الغاز الطبيعي المسال والفحم، مع وضع عقبات أمام الطاقة الخالية من الكربون. وقد حولت الحرب في ايران هذا الفشل إلى حالة طوارئ؛ إذ يدفع اعتماد بنغلاديش الحالي على الوقود الأحفوري البلاد إلى واحدة من أعمق أزمات الطاقة في العالم، وهي عواقب قد تظهر قريباً على أرفف متاجر الملابس المحلية.
ويأتي الآن نحو ثلث غاز البلاد في صورة غاز طبيعي مسال، أغلبه من قطر. ومع اختناق هذه الإمدادات بسبب الحرب في الشرق الأوسط، انقطعت الكهرباء لمدة تصل إلى 16 ساعة يومياً. وبالنسبة لشركات الملابس، يصبح الحفاظ على سمعتها في الكفاءة والمرونة في تسليم الطلبات في المواعيد المحددة أمراً شبه مستحيل.
ووفقاً لمسح حديث للقطاع، عانى نحو 90% من مصانع الملابس المحاكة من نقص الكهرباء، وواجه 60% منها خطر التخلف عن سداد القروض، بينما شهد 55% إلغاء الطلبات أو انخفاضها. وتقول أكثر من 200 شركة إنها قد تتوقف عن العمل تماماً إذا استمرت تلك الظروف.
كذلك يواجه نظام الطوارئ الاحتياطي صعوبات. ففي المناطق الصناعية، تبيع محطات الوقود خمسة أضعاف كميات الديزل المعتادة، بينما تبحث المصانع عن وقود لمولداتها. ومع تسجيل أسعار الديزل مستويات قياسية، حذرت شركة «بنجلاديش للبترول»، الموزع الحكومي، من احتمال نفاد أموالها الشهر المقبل لسداد تكلفة الواردات الجديدة.
وكانت مؤشرات الخطر واضحة قبل سنوات. فعندما اندلعت أزمة الغاز بعد حرب أوكرانيا عام 2022، واجهت باكستان المشكلة نفسها واتجهت بقوة إلى الطاقة الشمسية. وقد وفرت الألواح فوق الأسطح نحو 28% من احتياجات باكستان من الكهرباء العام الماضي، ارتفاعاً من 10% قبل عامين، وكانت شركات النسيج والملابس من أوائل المتبنين للتقنية.
لكن بنجلاديش تعاني ظروف جغرافية أقل ملاءمة. فمع وجود 174 مليون نسمة في مساحة تعادل مساحة إنجلترا، تبلغ كثافتها السكانية تقريباً مستوى شيكاغو، ما يترك مساحة ضئيلة متاحة لمشاريع الطاقة الشمسية. كما أن تضاريس البلاد منخفضة للغاية بحيث لا تصلح لتوليد الطاقة الكهرومائية، بينما حركة الرياح ضعيفة ولا تكفي لتوليد الطاقة منها. وحتى واردات الكهرباء من نيبال تعرضت للتعطيل بعدما ألحقت فيضانات مدمرة أضراراً بمحطات الكهرباء هناك الشهر الماضي.
ومع ذلك، لا تخلو البلاد من المساحات. فقد قدرت دراسة بالأقمار الاصطناعية عام 2024 إمكانات الطاقة الشمسية فوق الأسطح بنحو 30 غيغاوات، بافتراض تغطية مماثلة لأستراليا وهولندا. ويمكن أن تنتج 40 تيراوات/ساعة سنوياً، أي خمسي إمدادات الشبكة الحالية. كما أن تغطية 10% من أحواض مزارع الأسماك بالألواح الشمسية، كما في الصين، قد تنتج 29 تيراوات/ساعة إضافية.
لكن المشكلة تكمن في تعقيدات اللوائح التنظيمية التي أعاقت الاستثمار، إذ تخضع واردات الفحم لمحطات الكهرباء لضريبة تفضيلية قدرها 5%، مقابل 9.5% للغاز الطبيعي المسال. وحتى وقت قريب، كان تمويل أنظمة الطاقة الشمسية على أسطح مصانع الملابس يواجه ضرائب تقارب 29% على المعدات المستوردة، إلى جانب قيود على أحجام الأنظمة. ورغم أن دكا خفضت الضريبة إلى 1% الأسبوع الماضي، إلا أن ذلك بصفة مؤقتة.
ويمكن لأنظمة الطاقة الشمسية فوق الأسطح أن توفر الكهرباء بنحو ثلث تكلفة كهرباء الشبكة، لكن السياسات كانت تجعل الطاقة الأحفورية تبدو أرخص من حقيقتها. وباعت الحكومة الغاز الطبيعي المسال بأقل بنحو 20% من تكلفته، بينما تضاعف تقريبًا سعر الشحنات الفورية منذ اندلاع حرب إيران. وسيستنزف دعم الطاقة 771 مليار تاكا، أي 6.29 مليار دولار، في السنة المالية 2026، بما يعادل نحو 8% من ميزانية الحكومة.
أما الميزة الإيجابية الوحيدة فهي أن أول محطة نووية في البلاد، التي أنشئت بمساعدة روسية، من المقرر أن تبدأ العمل خلال أشهر. وإذا سارت الخطة كما هو متوقع يمكن لمنشأة «روبور» توفير نحو سدس كهرباء البلاد، لكن الطلب يواصل النمو، ومن غير المرجح إنشاء منشأة ثانية قبل 2040.
ويمكن للطاقة النظيفة أن تنمو بسرعة مذهلة عندما تكون السياسات ملائمة، إذ إن قدرة توليد الطاقة الشمسية البالغة 27 غيغاوات التي ركبتها باكستان خلال عامين حتى 2025 كانت تكفي لتوفير الطاقة لنحو ثلث شبكة بنجلاديش.
وهناك حاجة إلى تحرك شامل قبل فوات الأوان. فاقتصادات ناشئة كثيرة تحسد بنجلاديش على حصتها في سوق الأزياء العالمية، كما أنها يمكنها الجمع بين العمالة الماهرة والرخيصة وشبكات كهرباء أكثر كفاءة واستقراراً. لذا، ينبغي لدكا إلغاء الضرائب على جميع معدات الطاقة النظيفة إلى الصفر، وإزالة التعقيدات البيروقراطية، وبناء مزيد من خطوط نقل الكهرباء مع الهند ونيبال وبوتان.
لقد قامت معجزة قطاع الملابس في بنجلاديش على احتياطياتها من الغاز منخفض التكلفة؛ ولضمان استمرار هذه المعجزة، يتعين إيجاد سبيل للاستغناء عن هذا المورد.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ والطاقة.


