خلال «المنتدى الاقتصادي الشرقي» الروسي الذي عُقد أوائل سبتمبر المنصرم، أعلنت شركة شحن صينية عن خطط لنقل أكثر من مليون طن من البضائع عبر «طريق البحر الشمالي» في الصيف المقبل، بجانب عقد شراكات مع شركات روسية حكومية لتصنيع سفن مصممة خصيصاً لجعل الملاحة في القطب الشمالي ممكنة وعملية على مدار العام.

وفي منتصف أغسطس الماضي، غادرت سفينة حاويات صينية الساحل الشرقي للصين، متجهة إلى إنجلترا عبر مسار لم تسلكه أي خدمة تجارية منتظمة من قبل. وأطلقت شركة «سي ليجند»، التي تدير الخدمة، عليها اسم خدمة «طريق الحرير الجليدي».

وتُعتبر تلك إشارة إنذار استراتيجية: فالقطب الشمالي يتحول من منطقة حدودية عصيّة على العبور إلى ممر تجاري قابل للاستخدام، بينما تبني الصين وروسيا قدراتهما على استغلاله.

والتجارة ليست قوة عسكرية، لكن البنية التحتية التي تدعم إحداهما يمكن أن تُعزّز الأخرى. ويمتد طريق البحر الشمالي بمحاذاة الساحل القطبي لروسيا إلى بحر الشمال، وتستغرق رحلة العبور من 18 إلى 20 يوماً، أي نحو نصف الوقت اللازم للعبور عبر قناة السويس. وكشفت الحرب في إيران هشاشة نظام التجارة البحرية العالمي. فقد انهارت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تحت الضغوط العسكرية، فيما أصبح باب المندب والبحر الأحمر أكثر خطورة.

وأشار وزير الخارجية ماركو روبيو مؤخراً إلى أن الاضطرابات قد تسرّع تحولاً دائماً بعيداً عن مضيق هرمز، مع سعي الدول إلى تجنُّب ارتفاع تكاليف الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد. ويقول مسؤولو «سي ليجند» إن هذه الاضطرابات تجعل الطريق القطبي جديراً بالمخاطرة، فهو ليس بديلاً عن النظام التقليدي، بل تأميناً ضد تعطله. وتُبدي الصين حساسية بالغة تجاه أي اضطرابات في حركة الشحن، إذ يمر نحو 80% من وارداتها النفطية و60% من تجارتها البحرية عبر مضيق ملقا وحده، وهو نقطة حيوية لا تسيطر عليها بكين.

ويوفر القطب الشمالي طريقاً آخر إلى الأسواق الأوروبية المهمة. ولا يزال النطاق محدوداً، فقد عبرت الطريق 23 سفينة حاويات عام 2025، مقابل 15 في 2024. لكن وجود خدمة منتظمة يعني أن ما كان تجربة عرضية يمكن الآن إدخاله في حسابات سلاسل الإمداد. ولا تستطيع الصين العمل في القطب الشمالي بمفردها، فهي تحتاج إلى روسيا، التي تدير جزءاً كبيراً من طريق البحر الشمالي وتسيطر على التصاريح والبنية التحتية وخدمات كاسحات الجليد اللازمة للملاحة. ويصف معهد «كلينغنديل» الهولندي للأبحاث هذا النظام بأنه «وصول مُدار». ورغم أن مصالح البلدين لا تتطابق تماماً، فإن الترتيب يخدم كليهما حالياً.

ولا تُمثّل سفن الحاويات الصينية تهديداً عسكرياً. لكن الوصول التجاري والأمن القومي في القطب الشمالي يعتمدان على عوامل مشتركة، مثل السفن القادرة على الإبحار في الجليد، والموانئ، والبنية التحتية، والقدرة على العمل في المياه الصعبة. وتمتلك روسيا الكثير من تلك القدرات، فيما تساعد الصين على توسيعها وتكتسب خبرة ووصولاً إلى المنطقة. وتساعد الاستثمارات الصينية موسكو على تطوير البنية التحتية وتعزيز موقعها في منطقة محورية لقوتها العسكرية.

ويضم القطب الشمالي نحو ثُلثي القدرة النووية البحرية الروسية على توجيه ضربة نووية ثانية، متركّزة في قواعد الغواصات، وفق تقييم استخباراتي أميركي لعام 2026. وتعترض الولايات المتحدة على المطالبات الروسية الواسعة بشأن طريق البحر الشمالي، لكن تحديها عملياً يتطلب سفناً وبنية تحتية قادرة على العمل في الظروف القطبية، وهي قدرات لا تمتلكها واشنطن حالياً بشكل كاف. وعند الطرف الآخر من الطريق، عند مضيق بيرينغ قبالة ألاسكا، استثمرت الولايات المتحدة بكثافة في القوة الجوية، لكن وجودها البحري تأخر.

ويحذّر تروي بوفار، مدير مركز الأمن والقدرة على الصمود في القطب الشمالي بجامعة ألاسكا في فيربانكس، من أن واشنطن تخاطر بأن تتفوق عليها دول أخرى. وقال إن الاستثمارات «تبعث بإشارة استراتيجية هائلة» بشأن مدى الجدية تجاه المنطقة، مضيفًا أنه «من المحرج» أن تمتلك روسيا والصين قدرات هناك، بينما تفتقر إليها الولايات المتحدة.

وبدأت واشنطن في تعويض ما فاتها. فقد منح خفر السواحل عقوداً لبناء 11 سفينة جديدة للأمن القطبي، من المتوقع تسليم أولها في 2028، على أن تتجه ثلاث منها إلى ألاسكا. لكن السفن وحدها لا تكفي، فالولايات المتحدة تحتاج أيضاً إلى مرافق لدعمها، ومراقبة أفضل، وتعاون مع الحلفاء في هذه المنطقة الشاسعة.

وتقع جرينلاند على امتداد «فجوة غرينلاند-آيسلندا-المملكة المتحدة»، التي يتعين على الأسطول الشمالي الروسي عبورها للوصول إلى شمال الأطلسي. كما تستضيف راداراً أميركياً للإنذار المبكر، ومطاراً يعمل طوال العام، وميناء للمياه العميقة يدعم العمليات في القطب الشمالي.

والرئيس دونالد ترامب ليس مخطئاً بشأن أهميتها. لكن التعامل مع جرينلاند باعتبارها صفقة عقارية، بدلاً من كونها أصلاً للتحالف، لم يكن مثمراً. ورغم إبرام اتفاق بشأن القواعد العسكرية مع الدنمارك يوم الجمعة الماضي، فإنه يعزّز ترتيبات أمنية قائمة منذ عقود، على حساب أشهر من التوتر مع حلفاء أساسيين يمثّلون أكبر ميزة استراتيجية لأميركا في القطب الشمالي.

ولن يصبح طريق البحر الشمالي قناة سويس جديدة، فهو موسمي ومكلّف وخطير ويعتمد على البنية التحتية الروسية. لكن دخول الصين إليه، ولو تجارياً فقط، يشير إلى ارتفاع حجم الرهانات، ويُرجح أن يعزّز قوة روسيا في المنطقة. ومن الواضح أن منطقة القطب الشمالي تشهد انفتاحاً، لذا يتعين على الولايات المتحدة تعزيز قدرتها على العمل هناك قبل أن يضع الآخرون القواعد المنظمة للمنطقة. -

يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»

*كاتبة متخصّصة في الشؤون الدولية