يمثّل الخطاب السياسي الجسر الحيوي الذي يربط بين قمة الهرم المؤسسي وقاعدته الاجتماعية، فهو الوسيط التواصلي الذي تنقل عبره الدولة رؤاها وسياساتها، ويتلقى من خلاله المواطنون توجيهاتها واستراتيجياتها، ولا يقتصر دوره على مجرد نقل المعلومات، وإنما يتجاوز ذلك إلى تشكيل عقد تواصلي يرسي دعائم الثقة المتبادلة بين الحاكم وشعبه، لذا شكّل الخطاب السياسي نظاماً فكرياً يحوي منظومة من المفاهيم والمقولات النظرية حول جانب معين من الواقع الاجتماعي بغية تملكه معرفياً، ومن ثم تفهم منطقه الداخلي، وذلك من خلال ترتيب فكرة محددة تنظم بناء المفاهيم والمقولات بشكلٍ استدلالي يحكم الضرورة المنطقية التي تصاحب عملية إنتاج المفاهيم، كما يعني الخطاب كذلك كل إنتاج ذهني منطوق أو مكتوب، فردي أو جماعي، ذاتي أو مؤسسي، في صورة عبارات لغوية أُعيدت صياغتها النظرية في حدود وحدة أكبر من الجملة وهو الخطاب.
وبهذا برز الخطاب السياسي بكونه أحد أقوى أدوات التأثير الاتصالي، لاعتماده على توظيف استراتيجيات إقناع متطورة تشمل مسارات لغوية ورمزية ونفسية، تهدف إلى مخاطبة الجماهير والتأثير في توجهاتهم، كما يعمل النظام السياسي من خلال هذا الخطاب على حشد الأفكار وبناء توافقٍ في الآراء، مستخدماً في ذلك شبكة اتصال متنوعة تُسهل تبادل التأثير بين الحاكم والمحكوم، مما يعزّز الشرعية السياسية ويُحقق الأهداف الوطنية، أما من حيث الموقف والتفاعل، فإن الخطاب يُعد شكلاً من أشكال التفاعل الاجتماعي لكونه يُعد حدثاً اتصالياً ضمن موقف اجتماعي معين، ويحدث هذا التفاعل بين المتحدث (مصدر الخطاب) والمستمع أو القارئ (متلقي الخطاب)، ولعل خير مثال على ذلك حالة التفاعل الاجتماعي التي تنشأ نتيجة للخطابات الصادرة عن رأس الهرم في الدولة، التي تهدف إلى التأثير في الشعب، وهو الأمر الذي ترتب عليه وصف الخطاب -ضمن سياق التفاعل الاجتماعي- بأنه «الأداة الدبلوماسية المستخدمة لإرساء مفاهيم معينة لقضايا محددة ومناقشة تحولاتها وآثارها».
وحظي الخطاب السياسي بعناية كبيرة في كثير من الدراسات النظرية والتحليلية، واحتل خصوصية نصية، وتعود تلك الخصوصية إلى الشحنة التأثيرية التي تتجلى فيه من خلال تجاوزه الحدود الكلامية في صورتها الإبلاغية إلى التماس كافة السبل في تحقيق القوة التواصلية المباشرة أو السيميائية، ليصل السياسي بها إلى تجسيد أول سلطة له وهو (سلطة التلفظ) مُحققاً بها سيكولوجية التواصل الإخباري، أو الحجاجي، أو الإقناعي، هادفاً إلى التوازن الكفيل بأن يجعل الخطاب سهلاً في الطرح جاداً في المضمون، قادراً على جذب التأييد والإقناع وتحقيق الرؤية المطلوبة، لأن اللغة هي التي تخلق واقعاً جديداً كي تبني الشرعية السياسية، وتوجه السلوك الجماعي للمواطنين، وتعيد صياغة الهويات الاجتماعية، فالخطاب السياسي إذاً يقوم على إدارة إيديولوجيا التفكير الإنساني من خلال الفعل التلفظي والإنجازي لفعل الكلام لنقل الخبر السياسي، والتأثير في المتلقين واستمالتهم، وتتجلى تداولية الخطاب السياسي في الملفوظات وبُعدها التفاعلي المتمثل في سلطة سياسة المتكلم على المتلقين في مقام الكلام، أي الدلائل التي تدور في فلك التخاطب ومحيط الحوار، وتقوم التداولية بدور فعلي في تفسير أفعال الكلام الخطابية، ومستلزمات الحوار السياسي، ومتضمنات القول، والمفردات الإشارية، والحجاج، ووسائل الإقناع، وطرائق التأثير.
وأظهرت الدراسات العلمية اليوم في مجال تحليل الخطاب أن اللغة السياسية والرئاسية تشكّل تأثيراً محورياً في تعزيز قوة الإقناع، ويعتمد نجاح الخطاب على عناية المرسل بصياغة الأفكار وانتقاء الألفاظ بعناية فائقة، سواء في معالجة القضايا الداخلية أم في صياغة الرؤى حول السياسة الخارجية، وهناك عدد من العناصر التي تشترك في بلورة عمليّة التواصل في الخطاب السياسي، ويمكن معرفتها وفحصها من خلال النظر إلى الخطاب نفسه، لأنه الميدان الذي تتبلور فيه كلّ هذه العناصر، ممّا يحيلها إلى عناصر سياقيّة، وهي إجمالاً: المرسل، والمرسل إليه، ولعناصر المشتركة، مثل العلاقة بين طرفي الخطاب، والمعرفة المشتركة والظروف الاجتماعيّة العامة.
وربما يكون العنصر الأخير هو أكثر العناصر المهيمنة في الخطاب، لما لآثاره من انعكاس على العناصر الأخرى، ومن ثَمَّ على تكوين الخطاب نفسه، ويعتمد الخطاب على هذه العناصر الأساسيّة، والذي يحيلها إلى عناصر سياقيّة، هو أنّ الخطاب ممارسة تجري تداوليّاً في السياق، ممّا يحول دون ثبات سماتها، فالمرسل متجدّد وكذلك المرسل إليه، كما أنّ عناصر السياق الأخرى متغيّرة دوما، وهذا هو وجه تسميتها بعناصر سياق الخطاب.
فالخطاب يمثّل رسالة مباشرة من الكاتب إلى القارئ من خلال النَّص من المتكلم إلى السامع عبر الكلام، وذلك بغرض تحقيق (التواصل البشري)، وفي ضوء ما اتفقت عليه مدارس تحليل الخطاب فإن العناصر البنائية للخطاب لا تعمل إلا في نفق الاتصالات الإقناعية للخطاب الاتصالي من خلال وجود منتج للنّص الخطابي، يتأثر بالبناء الإدراكي المسبق للمخاطب، ويستهدف إقناعه بالمواقف والاتجاهات والأفكار في إطارها الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والثقافي فضلاً عن العلاقات الجدلية بالحجج والبراهين، وذلك من منطق أن الخطاب موجه إلى متلق معين للتأثير فيه وإقناعه بمضمون الخطاب.
ومن -هنا- فإن الآليات والاستراتيجيات التي يشحن بها المرسَل أو المخاطب خطابه تهدف إلى تسهيل الفهم وتحقيق التواصل الفاعل، ويتمثّل الهدف الأساسي في دراسة الكيفية، التي يُنتج بها الفعل الكلامي أو التواصلي في سياق محدد، مع الأخذ بعين الاعتبار حالة المتلقي وظروفه الذهنية والنفسية أثناء التفاعل اللغوي، ويأتي هذا الاهتمام لضمان نجاح عملية التواصل من جهة، ولكشف النقاب عن المقاصد والأغراض الكامنة وراء خطاب المرسل أو المخاطَب من جهة ثانية واستغلال هذه العناصر لتحقيقها واقعاً، خاصة إذا كان صاحب الخطاب ذا سلطة سياسية.
وبناء على ما سبق، فإن أي خطاب سياسي رئاسي قوي وناجح يقوم على منظومة من الأسس الضمنية التي تشكّل هيكله الداخلي وتحدد مساره، هذا التأسيس المحكم له خلفياته وسياقاته التاريخية، التي تتقاطع وتمثّل الجسر المكوّن لشخصية المخاطب، لأن الأبعاد الدلالية للخطاب تكوَّنت بشكل تراكمي في وعي المخاطبين حتى تبلغ ذروتها في مرحلة النضج والاكتمال، مما يمثّل الغاية الأساسية لأي عملية خطابية سياسية طموحة، تحمل أبعاداً متعددة ومتشابكة، تعكس رؤية المتكلم وتوجهاته، وأهدافه الإقناعية.
أ.د. محمد بن عبد العزيز العميريني*
*أستاذ بكلية الآداب واللغات- جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


