منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر إلى اليوم، تتوالى المآسي ويستمر المشهد نفسه: أبرياء يُقتلون، وأُسر تُهجَّر، ومساجد وكنائس ودور عبادة تُستهدف، ثم بيانات إدانة، ومشاعر تعاطف، ودعوات إلى التكاتف. والتعاطف مع الضحايا واجب إنساني وأخلاقي، لكن مواجهة الفكر الذي يستبيح حياتهم واجب لا يقبل التأجيل ولا التهاون.
فليس من المعقول أن نذهب بعد كل عملية إرهابية إلى مواقع التواصل الاجتماعي أو إلى بعض المغيبين، فنجد من يقول إنها مؤامرة، وينكر وجود الإرهاب والتطرف بيننا. نعم، ابتُلينا بنابتة متطرفة لها فهم سقيم للدين، حوّلته إلى قنابل تريد أن تبيد بها البشرية. نابتة تربّت على كراهية البشر، واحتقار المختلف، والاستعلاء عليه، ثم حملت هذه الكراهية إلى الناس وألبست أحقادها ثوب الدفاع عن العقيدة. هذه حقيقة يجب أن نعترف بها، وأن نواجهها بوضوح، فالتستر عليها يترك أصحابها يواصلون تشويه الدين وتدمير المجتمعات والترؤس على الناس، والمتاجرة بالدين بالعقائد، كما يقول الكندي في وصف هؤلاء: «من أهل الغُربة عن الحقّ، وإن تُوّجوا بتيجان الحقّ من غير استحقاق، لضيق فطنتهم عن أساليب الحقّ.. ووضعهم ذوي الفضائل الإنسانية التي قَصّروا عن نيلها، بل للترؤس والتجارة بالدين، وهم عدماء الدين، لأنّ من تَجر بشيء باعه، ومن باع شيئاً لم يكن له، فمن تَجر بالدين لم يكن له».
هؤلاء النابتة المتطرفة يقضون أوقاتهم في ملاحقة الناس، والتفتيش في عقائدهم، والتشنيع على أقوالهم. من خالفهم ضالّ، ومن ناقشهم مبتدع، ومن رفض وصايتهم متهم في إيمانه. لا علم يضبط أحكامهم، ولا منطق يقيم حجتهم، ولا خُلق يردع ألسنتهم وأيديهم عن أعراض الناس ودمائهم. عدُّوهُم اللدود هو العلم والمنطق والفهم الصحيح للدين، لأنه يكشف جهلهم، ويفتح العقول التي يريدون إغلاقها.
في مأساة الكنيسة في الكرك بالأردن، بينما تتجه القلوب إلى الضحايا وعائلاتهم، نجد أصحاب هذا الخطاب يتدافعون إلى مواقع التواصل، يتسابقون إلى النهي عن الترحم والتشنيع على المتعاطفين. أمامهم أسر مفجوعة، وأرواح أُزهقت في غمضة عين، وهم منشغلون بملاحقة من دعا بالرحمة، ومن واسى، ومن عبّر عن حزنه. كأن الحياة الكريمة ما خُلقت إلا لأجلهم، وكأن رحمة الله محصورة في جماعتهم.
لقد وصف الله رحمته بقوله: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، ووصف رسالة نبيه بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، وأما هم فيتمسكون بظواهر آياتٍ يتجاهلون سياقاتها، بل ولا يميّزون مفرداتها، ويتشدقون بألفاظٍ في الكفر والإيمان والعدوان على الناس، واستحلال أعراضهم ودمائهم، متناسين الأمر الإلهي بالبر والقسط والتعارف، والتعامل بالمواطنة والمودة والمصاهرة، وقد ورد في القرآن الثناء على المؤمنين الصالحين من هؤلاء، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)- وقال تعالى عن علاقتهم بالمؤمنين: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ). فالآيات تذكرهم بالإيمان والعمل الصالح، وتجعل أجرهم عند ربهم، وتذكرهم بالمودة للجوار والعلاقات الطيبة مع المجتمعات، بينما يصرّ هؤلاء على اختزال علاقتنا بهم في الكراهية والإقصاء، وملاحقة كل من أظهر لهم المودة أو دعا لهم بالرحمة، يقول ابن سينا عنهم: «الظانين أن الله لم يهد إلاّ إياهم، ولم ينل رحمته سواهم، فقد بُلينا برفقة منهم عارين عن الفهم، كأنهم خُشُبٌ مسندة يرون التعمق في النظر بدعة، ومخالفة المشهور ضلالة».
يمتد هذا الاستعلاء إلى وصف المواطنين المسيحيين بالمعاهدين والمستأمنين!! ويعتبرون ذلك ملاطفة، وهي مفاهيم تاريخية تجاوزتها الدولة الوطنية القائمة على المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، فالمسيحيون وغيرهم أبناء أوطانهم وحقوقهم يكفلها الدستور، وإصرار المتشددين على هذه الأوصاف ما هو إلاّ حقدٌ دفينٌ واستعلاءٌ مقيت ينضح بثقافة الكراهية.
لقد اتخذت الإمارات خطوات واضحة في مواجهة التطرف وخطاب الكراهية، من خلال التشريعات والمؤسسات والمبادرات التي تحمي التعايش وتتصدى للفكر المتطرف. وعلى العالم العربي أن ينهض بهذه المسؤولية بقوة، وأن يجعل مواجهة هذا الفكر عملاً مستمراً في التعليم والخطاب الديني والإعلام والفضاء الرقمي.
يبدأ هذا الواجب بوقف التهرب والإنكار: لدينا تطرف، ولدينا فهم سقيم للإسلام، ولدينا من ينشر الكراهية باسمه. والاعتراف بذلك مسؤولية تجاه ديننا وأوطاننا. علينا أن نلاحق هذا الفكر، ونفكك مقولاته، ونكشف عواره، بجرأة وشجاعة لا تهاون فيهما ولا مواربة. فحماية الناس تقتضي مواجهة من يحرّض عليهم، وصون الإسلام يقتضي التصدي لمن يستغلُّ رسالته في تبرير الكراهية والقتل.
لا يجوز أن تبقى سكينة الدين ومناعته منتقصه وعرضة للتجاوز والاختراق والاستغلال والاستعمال. في العقود الماضية، كلّف هذا التطرف العنيف مئات الآلاف من القتلى والملايين من المهجّرين، وهذا التشويه لوجه الدين في سائر أنحاء العالم، فلا يبقى للإنقاذ إلاّ الكفاح بدون هوادة من أجل استعادة الزمام، والنهوض بالتفكير والخطاب إلى آفاقٍ جديدة.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


