الناظر إلى التاريخ المعاصر، يدرك بأن العالم كله يبحث عن ميناء سلام، وما يلبث أن يجده، حتى يواجه بعض الدول التي تقتات على الحروب، ولا ترتاح حتى تهدم موانئ السلام من حولها.
آخر معاقل السلام الذي لا زال يمد يد السلام إلى العالم أجمع، يتمثل في دول الخليج العربية التي دانت لها مراكز الدراسات العالمية، بأنها المنطقة الآمنة الوحيدة في الشرق الأوسط، رغم أنها محاطة بالكثير من التحديات الثقال. دول الخليج العربية استطاعت تحقيق النمو لشعوبها، وأصبحت جاذبة للمواهب والكفاءات من شتى أرجاء الأرض، وأطلقت العديد من المبادرات التنموية في المجالات كافة. مرّت المنطقة في غضون العقدين الماضيين، بمؤامرة «الفوضى الخلاقة» لكوندا ليزا رايس ولم تفت في عضدها، رغم أن هذه الفوضى وجدت طريقها إلى تونس، ثم مصر أم الدنيا، رأس حربة الأمة العربية، مروراً بالعراق وسوريا ولبنان ويمَن الحكمة التي لا زال «الحوثي» ينزع منها الحُكم والحِكم، ويحوّل اليمن إلى ساحة للحرب والدمار لصالح إيران.
وظننا بأن خاتمة المطاف، ستكون في «طوفان الأقصى» 7 أكتوبر 2023 وما تلاه من كوارث لا زالت مستمرة حتى الوقت الراهن، لكن تتواصل التوترات في المنطقة جراء السياسات الإيرانية القائمة على استدامة الصراعات وإطالة عمر الأزمات. 
وفي كواليس تلك «الفوضى الخلاقة»، كانت يد النظام الإيراني السياسي الطائفي تلعب أدواراً لا تقل خطورة عن المتربصين بنا الدوائر، 
ولكن ما لم يكن في حسبان المتابعين للشأن الإيراني، أن تصل نيران «نيروز» المشتعلة إلى جيران الدِّين والجغرافيا والتاريخ في دول الخليج العربي بلا استثناء.
الآن يتعرض الشرق الأوسط لتداعيات أكثر من ثمانية أشهر مضت على حرب إيران، التي بدأت في 28 فبراير 2026، ولكن نهايتها طلاسم وكلمات سياسية متقاطعة، فساعة يقال بأن نهايتها أقرب من مد البصر، وأخرى على العالم انتظار ساعة الفرج الانتخابي لصالح ترامب، وأما نحن فنودُّ أن تنتهي هذه الحرب اليوم قبل الغد!
أُدرك تماما بأن السياسة وأدواتها لا تتعامل مع الأماني و«الينبغيات» والتفكير الرغبوي، ولكن الواقع الذي نعايشه والتجارب السياسية التي مرت على العالم كفيلة بأن تكون علامات إرشاد للأمم، بأن طبول الحرب لا يجب أن تعلو على نداء السلام.
وهذا لن يتحقق فحسب لأن دولة ما تلح عليه، بل هو مطلب محبي السلام في كل العالم، وعلى جميع المستويات، لا نقول ينبغي، بل نقول يجب على كل المنظمات الدولية السعي لتحقيق هذا الواجب الذي ينقذ الإنسانية من الغرق في وحل السياسة وتيه صحرائها. 
ندعو الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العامة، وهي تحتفي بعامها الحادي والثمانين، أن تكون على قدر المسؤولية، وتتحمل تبعات تأخرها عن إرساء دعائم السلم العالمي، فهذا المضيق لم يكن في التاريخ مضيقاً تابعا لدولة أو مملكة أو إمبراطورية، كان دائماً يسع العالم كله، رغم ضيق مساحته.
وأن تأتي دولة غير طبيعية مثل إيران لكي تُربك معادلة الأمن والسلم العالمي، فهذا لم يحدث في التاريخ من قبل، ولا يجب أن يسمح بوقوعه اليوم، وإلا فإن كل دولة سيادية من حقها أن تبحث لها عن البدائل المتاحة ولو بخلقها.
إن حرب مضيق هرمز سوف تُغيّر الكثير من قواعد اللعبة الدولية، وهو ما يعني مواجهة تحديات كبرى تفوق التوقعات السابقة في تأثيرها على الجميع.
الأمر ليس بهذه البساطة، بل هو أكثر تعقيداً مما نتصور، فالسلام لا بدّ أن يعود إلى هذه المنطقة التي لا يمكن الاستغناء عنها ولو للحظة، فهي الحبل المتين الذي يربط جميع القارات، فهل يُعقل أن يترك المجال للنظام الإيراني العبث بها دون وجود قوة رادعة إذا لم تستطع الدبلوماسية المرنة إنهاء حالة اللاسلم واللاحرب. 


*كاتب إماراتي