في خطاب تنصيبه لولايته الرئاسية الثانية، في يناير 2025، وصف الرئيس دونالد ترامب محاولةَ الاغتيال التي نجا منها قبل أشهر من ذلك الوقت، في بتلر بولاية بنسلفانيا، بأنها تجربة غيّرت مسارَ حياته، وأنه نجا ليجعل أميركا «عظيمة مجدداً». لكن رئاسته، التي شهدت توسعاً كبيراً في استخدام السلطة التنفيذية، واقتراباً من تجاوز القيود المؤسسية، قد تدخل مرحلة جديدة بعد انتخابات التجديد النصفي. ولا تتجاوز نسبة تأييد ترامب نحو 36%، بينما يتوجه الأميركيون إلى صناديق الاقتراع في 3 نوفمبر القادم.
وستحدد هذه الانتخابات الجهة التي ستسيطر على الكونغرس، وستكون بمثابة بداية لدورة سياسية جديدة، مع تزايد التركيز على الحملة الرئاسية لعام 2028 التي بدأت تتشكل. ويحتاج «الديمقراطيون» إلى كسب ثلاثة مقاعد صافية لاستعادة السيطرة على مجلس النواب، وقد يتمكنون أيضاً من انتزاع مجلس الشيوخ.
وقد يفتح ذلك البابَ للمطالبة بتحقيقات حول بعض الصفقات التجارية، وحول الحرب على إيران، وكذلك غزو فنزويلا. وقد بدأ بعض «الجمهوريين» بالفعل في انتقاد ترامب، بسبب سياساته المتعلقة بالهجرة وأوكرانيا، فيما أثارت الأخبار حول علاقة أشخاص من عائلة ترامب مع رجال أعمال روس تساؤلات جديدة. وإذا خسر «الجمهوريون» أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما، فقد يواجه ترامب رقابةً أكثر صرامةً. لكن النتيجة المعاكسة قد تمنحه شعوراً بأنه لم يعد مضطراً لمراعاة أي قيود. وقد تؤدي سيطرةُ الديمقراطيين على مجلس الشيوخ إلى حرمان ترامب من الأغلبية اللازمة لتمرير التعيينات في السلطة التنفيذية والقضاء، كما قد يواجه مزيداً من المعارضة داخل حزبه، والتي يُرجح أن تتصاعد مع تركيز المشرّعين على حقبة ما بعد ترامب.
وقال دوغ هاي، الاستراتيجي الجمهوري السابق، إن ترامب سيظل رئيساً ويتمتع بصلاحياته حتى 20 يناير 2029، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات. ويرى وليام غالستون، المستشار السابق للسياسة الداخلية، الباحث في معهد بروكينغز، أن ترامب يتجاوز الكونغرس عمداً، ويختبر إلى أي مدى يمكنه المضي قدماً دون عواقب قانونية، فقد فرض رسوماً جمركية واسعة، وحوّل أموالاً خصصها الكونغرس لأغراض أخرى، ومضى في خطط إنشاء قاعة احتفالات بالبيت الأبيض رغم الاعتراضات. ويضيف غالستون: «لقد أثبت ترامب، بفضل جرأته الفائقة، قدرتَه على توسيع نطاق السلطة الرئاسية إلى أبعد الحدود».
وتتجه الأنظارُ إلى انتخابات الرئاسة عام 2028، حيث ألمح ترامب إلى احتمال سعيه لولاية ثالثة، وهو ما يتعارض مع التعديل الـ 22 للدستور. ويعتبر نائبه جيه دي فانس أو وزير الخارجية ماركو روبيو أبرز المرشحين لخلافته، لكن ترامب لا يبدو مستعداً للتخلي عن لعب دور «صانع الملوك». وقد تصبح الفترة الانتقالية، التي تمتد عشرةَ أسابيع بعد انتخابات 7 نوفمبر 2028، شديدةُ الاضطراب إذا فاز مرشح ديمقراطي. وربما يسعى ترامب خلالها إلى تثبيت إرثه وإرباك خلفه قبل مغادرة منصبه. وقد ترك بالفعل بصماتٍ ماديةً على العاصمة ومؤسساتها، من قاعة الاحتفالات وقوس النصر المقترح إلى تجديد مركز جون إف. كينيدي للفنون الأدائية.
كما طُرحت أفكار لإطلاق اسمه على مطار في ويست بالم بيتش ومعهد السلام الأميركي. ويرى ماثيو ديكنسون، أستاذ العلوم السياسية، أن ترامب يواصل دفع الحدود إلى أبعد مما اعتاده الرؤساء السابقون. ومع ذلك، لا يزال هناك مَن يؤيدون معظم سياسات ترامب، لكنهم قد يعارضون تغيير اسمَي بحيرة أونتاريو وخليج المكسيك. كما يؤيد بعضهم الترحيلَ الجماعي ومكافحة الجريمة والحرب على إيران، رغم ارتفاع أسعار البنزين.
إلا أن البعض الآخر يشعر بخيبة أمل بسبب حرب إيران التي يرون أن واشنطن تخوضها نيابة عن إسرائيل، كما أنهم غير راضين عن تعامل الإدارة مع قضية الرسوم الجمركية، لدرجة أنهم قد يمتنعون عن التصويت.وإذا استعاد الديمقراطيون السيطرةَ على الكونغرس، فقد يلجأ ترامب أكثر إلى الصلاحيات الإدارية، مثل حجب الأموال التي أقرها المشرعون وإعلان حالات الطوارئ. وقد فعل شيئاً مشابهاً عام 2019، حين حول أموالاً عسكريةً لتمويل الجدار الحدودي. ويتوقع ديكنسون أن يزداد تركيز ترامب على السياسة الخارجية إذا ضاقت خياراتُه الداخلية.
وقد يواجه بعضُ كبار المسؤولين، مثلَ وزير الدفاع بيت هيغسيث، محاولاتٍ للعزل، كما قد يسعى الديمقراطيون إلى عزل ترامب نفسه للمرة الثالثة، مستندين إلى اتهامات بتجاوز السلطة، ومنها هدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض.
لكن إدانته تتطلب موافقة ثلثَي أعضاء مجلس الشيوخ، وهو أمر يَصعب تحقيقه. ويقول أليكس كونانت، المستشار الجمهوري، إن ترامب قد يرحب بمعارك العزل ومذكرات الاستدعاءات، فيما لا يحبذ الأميركيون محاولات العزل التي تحركها الخلافات الحزبية، موضحاً أنها لن تخفض أسعارَ البنزين ولن تحل المشكلات المعيشية للأميركيين. فالناخبون يريدون رؤية السياسيين يتعاونون بدلاً من أن يظلوا عالقين في حالة من الجمود السياسي.
*رئيسة مكتب «كريستيان ساينس مونيتور» في واشنطن.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»


