كانت إحدى العواقب الدائمة لحرب فيتنام فقدان كثير من الأميركيين الثقةَ في نزاهة إداراتهم آنذاك. فخلال ستينيات القرن الماضي، قدّمت الإدارات الأميركية المتعاقبةُ تأكيداتٍ واثقة بأن الانتصار على فيتنام الشمالية بات في المتناول. لكن تلك الادعاءات أخذت تتعارض بصورة متزايدة مع الوقائع على الأرض، ومع شكوك الكونغرس وقطاع متنامٍ من الرأي العام الأميركي.
كان هجوم تيت عام 1968 انتكاسةً عسكرية لفيتنام الشمالية، لكنه مثّل كارثةً سياسية للرئيس ليندون جونسون. فقد تناقض نطاق الهجمات واتساع رقعتها مع التأكيدات الرسمية بأن العدو يضعف. وأسهم الهجوم في تقويض ثقة الجمهور بالإدارة، كما أدى إلى قرار جونسون بعدم السعي إلى ولاية رئاسية أخرى. وفي عام 1970، وسّع ريتشارد نيكسون نطاقَ الحرب لتشمل كمبوديا ولاوس، ما أثار مزيداً من الاحتجاجات وعمّق المعارضةَ لحرب باتت أهدافها وآفاقها موضع شك متزايد.
وفي عام 1971، نشرت صحف أميركية، على رأسها كل من «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، وثائق لوزارة الدفاع الأميركية («البنتاغون») تكشف عن تاريخ من التضليل الرسمي. وأظهرت الوثائقُ أن الإدارات المتعاقبة، بدءاً من إدارتي دوايت أيزنهاور وجون إف. كينيدي، وصولاً إلى إدارة جونسون، أخفت حقائقَ مهمةً حول الحرب عن الكونغرس والشعب الأميركيين. وحتى مع تزايد الأدلة على احتمال تعذُّر تحقيق النصر، واصلت الولاياتُ المتحدة الحربَ، ولو بشكل جزئي، لأن قادتها كانوا يخشون الإهانةَ وفقدانَ الهيبة جراء الانسحاب من جنوب شرق آسيا.
وزادت فضيحةُ ووترغيت من حجم الضرر. فقد أدى اكتشاف لجوء حملة نيكسون وإدارته إلى أساليب غير قانونية للتدخل في انتخابات عام 1972، وما أعقب ذلك من محاولات للتستر على المخالفات وتضليل المحققين، إلى تحويل انعدام الثقة إلى أزمة دستورية. وكانت استقالة نيكسون عام 1974 دليلًا واضحاً على أنه لا يوجد في الولايات المتحدة رئيس فوق القانون. لكن تلك الواقعة خلّفت شكوكاً دائمةً في احتمال أن تخفي التفسيراتُ الرسميةُ واقعاً مختلفاً.
واليوم، يَعتبر خصومُ الرئيس دونالد ترامب أن انعدامَ الثقة بإدارته أصبح مصدرَ قلق على المستوى الدولي. فقد أثار إعجابُه الواضح ببعض القادة السلطويين قلقَ حلفاء كانوا ينظرون إلى القيادة الأميركية باعتبارها ركيزة موثوقة للاستقرار. كما أثارت خلافاتُه مع الشركاء التقليديين في أوروبا وآسيا، وخصوصاً كندا، شكوكاً بشأن ما إذا كانت الصداقات والالتزامات الراسخة لا تزال تحظى بالدعم في واشنطن.وأضافت الحربُ مع إيران مزيداً من الشكوك. ولا يعني وجودُ هذه الشكوك تأييدَ النظام الإيراني، بل إن تفسيرات الإدارة لأسباب الصراع لم تنجح في إقناع كثير من المراقبين، في حين أدى القتال إلى تعميق التساؤلات بشأن موثوقية الضمانات الأمنية الأميركية. وبالنسبة للحلفاء الذين اعتمدوا على الولايات المتحدة منذ عام 1945، فإن الغموض بشأن النوايا الأميركية قد يكون مثيراً للقلق بقدر التهديد المباشر الصادر عن خصم.
وبالطبع، فثمة فرقٌ بين الإخفاقات التي سجّلتها الإداراتُ السابقةُ والخيارات التي تواجه أميركا اليوم. فالولايات المتحدة لا تزال تتمتع بقوة اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية هائلة، وقد أثبتت مؤسساتُها قدرتَها على الصمود من قبل. كما أن انتقادَ رئيس الجمهورية علناً لا يعني أن البلاد عاجزةٌ عن الوفاء بالتزاماتها تجاه شركائها. لكن تصعب استعادة الثقة إذا تضررت، فهي تعتمد على الاتساق والصراحة والاستعداد للوفاء بالالتزامات، حتى عندما يكون ذلك غير ملائم.
وما لم تشهد السياسة الخارجية الأميركية تحولاً جوهرياً ومستداماً، فقد تتغير أسسُ النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وسيسعى الحلفاءُ إلى التحوط من المخاطر، وسيختبر الخصومُ حدودَ العزيمة الأميركية، وقد تشعر الدول في كل مكان بأنها مضطرة للبحث عن الأمن من خلال ترتيبات أقلَّ قابليةً للتنبؤ. وستكون النتيجةُ عالماً أكثر خطورةً، ليس على أصدقاء أميركا فحسب، بل على الأميركيين أنفسهم أيضاً. ولذا، فإن مسألة إمكانية الوثوق بأميركا لم تَعُد مجرد مسألة تتعلق بسمعتها، بل أصبحت مسألة تتعلق بالأمن العالمي أيضاً.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز ناشونال انترست - واشنطن


