حددت حركة «الشباب المؤمن» «الحوثية» عقيدتها بالإمامة على المذهب الزَّيدي، وفق تعاليم الأقرب إلى «الجارودية»، بحصر الإمامة في البطنين (الحسن والحسين)، وتوسعت بإبعاد التأثير المعتزلي البغدادي القائل بالفاضل والمفضول، وما أرادته «الحوثية» مختلف عليه داخل الزيدية، فلا يوجد اتفاق على تعاليمها بين الزيديين أنفسهم.
تتكون الخارطة المذهبية باليمن من عدة مذاهب، فالوسط والجنوب، أي ما بعد صنعاء وسطاً وجنوباً، تجد كثافة المذهب الشافعي والعقيدة الأشعرية، فإذا حارب الحوثيون تلك المناطق، حتى إذا خضعت بالسلاح فتبقى العقيدة سلاحاً ماضياً ضدها، فلا يجد أهل السنة الشافعية مبرراً لقبولها، فقد قدم «الحوثيون» أنفسهم، دعاةً للإمامة، وتكون للهاشميين، على نهج تراث الإمامة الزيدية، مع إضافة تعاليمهم المستخلصة من الجارودية مع استحداث المناسبات التي لم يكن يعرفها الزيدية بشكل عام من قبل، بينما خصومهم، المحاربون ضدها، لم يعلنوا أنفسهم غير الدولة اليمنية، وعلى هذا يُقاتل الجيش اليمني، فلا يجد خصومهم ما يمنع مِن قبول المناطق الزيدية بهم، فلم يتحدثوا عن إمامة أو خلافة، أو أي عقيدة مذهبية.
وما هو معلوم أن نسبة الكثافة الزيدية باليمن على العموم، تتراوح بين خمسة وثلاثين إلى أربعين بالمائة، فكم تكون نسبة المعتقدين منهم بالإمامة على النهج «الحوثي»؟
أما الباقي من الخارطة المذهبية فيبقى للشافعية، فكيف يريد «الحوثيون» السيادة على اليمن ضمن هذا الواقع، وقد يقول قائل وما علاقة المذهب إذا أراد «الحوثيون» بناء دولة تسع اليمنيين كافة؟ العلاقة بالأساس حددتها هذه الحركة نفسها، عندما جعلت لها عقيدة مذهبية في الحكم، بما يختلف عن مذهب وعقيدة (الأشعرية) للوسط والجنوب اليمني.
ما يخص الزيدية، من دون العقيدة «الحوثية»، فهي قريبة كثيراً من مذهب الوسط والجنوب، فهم لايرفضون تراتبية الخلافة الراشدية، ما عدا القول بالفاضل والمفضول، وتكون للمفضول مع وجود الفاضل، وهذا لا يقلل من التوافق بين الزيدية النقية والشافعية، وهنا لا يمتنع اليمنيون، بشافعيتهم وزيديتهم، على الحاكم، ما زال لا يعلن عقيدة مذهبية محددة في الحكم، فتجد جنوبيين شافعيين انتموا إلى المؤتمر الوطني، وأن حزب «الإصلاح الإسلامي» كان يقوده أحد مشايخ الزيدية، والسبب لأن ليس هناك عقيدة في الحُكم تميز هذا الانتماء.
فماذا يفعل أصحاب العقيدة، وهم الحوثيون، بوجودهم على رأس الحكم في المناطق المختلفة معهم مذهبياً، وهنا لا نتحدث عن الاختلاف في الفروع الدينية، من ناحية الفقه، إنما في ما جعله الحوثيون أصلاً من الأصول، وهي الإمامة، ورفض تراتبية الخلفاء الراشدين، التي يؤمن بها المذهب الشافعي، والمذاهب السُنية عموماً، ويقر بها الزيدية (على نهج الفرقة المطرفية)، المخالفون للجارودية، القائلون بالوصية، وما يقره «الحوثيون».
نحن نتحدث عن حرب مِن أجل بناء الدولة وفقاً للإمامة، مثلما يقره «الحوثيون»، فما هي الطبيعة المذهبية، التي تحارب وسطها هذه الحركة؟ وما هو حجم المعارضة التي سيواجهونها؟
صحيح هناك حركات غيرت مذاهب المناطق التي سيطرت عليها، كما حدث بين الصفويين والعثمانيين، في السيطرة على مناطق مغايرة بالمذهب؟ فتلك تجارب، لم تقدم فيها الإمامة كعقيدة في الحكم، فالصفويون لم يحكموا بإمامة العلويين، ولا العثمانيون أعلنوا أنفيسهم خلفاء، أو من سلالة الخلفاء.
على الجماعة «الحوثية»، وهي تحارب للسيطرة على الوسط والجنوب السنيين، أن يحسبوا عقبة عقيدتهم القائلة بالإمامة الهاشمية، وإبراز العداء لأميركا والغرب ونصرة القضية الفلسطينية، فهذا لا يحجب عقيدتهم الدينية في الحكم، التي لا يقرها الغالبية مِن اليمنين، بما فيهم الزيدية نفسها، غير المعتقدين بهذه العقيدة. تلك تصورات لابد مِن أن تؤخذ بنظر الاعتبار، فالعالم قد تغير، ولم تعد الرايات المذهبية جاذبة للأنصار، فمن الصعب على «الحوثيين» التلاعب أو التغيير في الطبيعة السكانية، والحركة قد لا تجد اتفاقاً تاماً عليها حتى في عقر دارها صعدة، فماذا هي فاعلة مع المحافظات السُّنيَّة؟
*كاتب عراقي


