لماذا تحظى الانتخابات الأميركية على الدوام باهتمام عالمي؟ والجواب يكمن في حضورها ووجودها في كل قارات العالم، وهيمنتها على المؤسسات الدولية والنظام المالي العالمي، ومكانتها العسكرية والاقتصادية والعلمية والتقنية، وما تملكه أميركا من موارد حرجة ومخزوناتها الاستراتيجية الحيوية، وأين يمتد نفوذها، وكيف تتصرف، وكيف ترى العالم، وكيف يراها العالم بالمقابل، وما يعتقده ساستها ومخططوها الاستراتيجيون أنه حق مشروع لها، وما هي الثوابت والمسلمات التي تؤمن بها وتتبناها وتمارسها النخب والمؤسسات السيادية.يتوجه الأميركيون اليوم، 3 نوفمبر 2026، إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجلس النواب وتجديد جزء من مجلس الشيوخ، في انتخابات نصفية ستحدد الحزب المهيمن على الكونجرس خلال العامين الأخيرين من ولاية الرئيس دونالد ترامب.
ورغم أنها ليست انتخابات رئاسية، إلا أنها تعد اختباراً مباشراً لأداء الإدارة، ومقياساً لرغبة الناخبين في منحها مساحة أوسع لتنفيذ أجندتها أو فرض قيود سياسية وتشريعية عليها. ويصوت الأميركيون في هذه الانتخابات على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، وعلى 35 مقعداً في مجلس الشيوخ.
وتتمحور دوافع الناخبين حول قضايا الداخل، وفي مقدمتها تكاليف المعيشة، وأسعار الوقود والغذاء والعقار، بالإضافة إلى الاقتصاد والهجرة والبطالة والتضخم، فضلاً عن تقييمهم لأداء الرئيس.
غير أن حدود السياسات الداخلية والخارجية تداخلت بوضوح هذا العام، إذ لم تعد الحرب مع إيران والتعرفة الجمركية ملفات بعيدة عن الحياة اليومية، بل ارتبطت بارتفاع التكاليف وما يرافقها من قلق على الأسر والشركات. ووفقاً لاستطلاع «رويترز/إبسوس» الصادر في 26 أكتوبر الماضي، أفاد 73% من المشاركين بأن تكلفة المعيشة تسير في الاتجاه الخاطئ، في حين بلغت نسبة تأييد ترامب 32%. كما أظهر مؤشر «التصويت العام» تقدم «الديمقراطيين» على «الجمهوريين» بين الناخبين المسجلين، إلا أن هذا المؤشر الوطني لا يحسم بالضرورة السباقات الفردية التي تحدد السيطرة الفعلية على المجلسين..تكمن أهمية النتيجة في صلاحيات الكونجرس التشريعية والرقابية، وفي تحكمه بالميزانية، لا في قدرته على عزل الرئيس أو تقليص صلاحياته التنفيذية. فإذا سيطر «الديمقراطيون» على مجلس النواب، سيمكنهم ترؤس اللجان، وعقد جلسات الاستماع والتحقيق، وطلب الوثائق وشهادات مسؤولي الإدارة، مما قد يرفع التكلفة السياسية لقرارات البيت الأبيض، ويفتح نقاشاً علنياً حول قضايا الحرب والإنفاق والتعرفة الجمركية. ومع ذلك، يحتفظ الرئيس بحق النقض (الفيتو)، كما يتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة في مجالات السياسة الخارجية والهجرة والتعرفة الجمركية، لذا فإن خسارة الجمهوريين لأحد المجلسين لا تعني بالضرورة توقف أجندة ترامب.
وتتجلى التداعيات الدولية بوضوح في الملف الإيراني، ففي حال حصول «الديمقراطيين» على الأغلبية في أحد المجلسين، قد يوظفون الإنفاق الدفاعي وجلسات الاستماع للضغط من أجل إخضاع استمرار العمليات العسكرية لنقاش أوسع في الكونجرس، لا سيما بعد بدء الضربات في فبراير دون موافقة مسبقة منه. وقد يسعون أيضاً للدفع بقرارات تحد من صلاحيات الحرب، إلا أن أي تغيير ملزم سيصطدم بعقبات سياسية ودستورية، فضلاً عن قدرة البيت الأبيض على مواصلة التحرك التنفيذي في مجالات عدة. وعليه، قد ينحصر الأثر الأول لنتائج انتخابية معارضة في زيادة التدقيق والضغط، لا في إنهاء النزاع مع إيران فوراً.
أما أوكرانيا وإسرائيل، فستتأثران بدورهما بتوازن القوى في الكونجرس. قد تسعى أغلبية «ديمقراطية» إلى طرح مساعدات جديدة لكييف أو مراجعة المساعدات العسكرية لإسرائيل، حيث يتزايد الخلاف داخل الحزب بشأن الحرب في غزة وشروط الدعم. لكن انتقال هذه المطالب إلى سياسة نافذة ليس مضموناً، فالتشريعات قد تواجه نقضاً رئاسياً، وتمرير بعضها في مجلس «الشيوخ» يحتاج إلى دعم يتجاوز الانقسام الحزبي. وعلى المنوال نفسه، قد تصبح السياسة التجارية أكثر نزاعاً: يستطيع «الديمقراطيون» عقد جلسات رقابية وطرح تصويتات لإلغاء بعض الرسوم، لكن قدرتهم على فرض ذلك ستظل مقيدة بصلاحيات الرئيس وبغياب أغلبية كافية لتجاوز «الفيتو».
إذا حافظ «الجمهوريون» على سيطرتهم على مجلسي الكونجرس، سيُقدم ترامب النتيجة على أنها تفويض شعبي لسياساته، مما سيسهل عليه تمرير التشريعات وإتمام التعيينات. أما خسارة أحدهما فستدشن مرحلة من المواجهة بين الكونجرس والبيت الأبيض، ما يرفع احتمالات تعطل الموازنات وتصاعد التوتر حول سقف الدين والإنفاق، وهو جمود قد يلقي بظلاله على الأسواق والحلفاء الذين يترقبون مدى قدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها الخارجية وسط الصراعات الداخلية حول التمويل والصلاحيات.
لذا، تتجاوز الانتخابات الأميركية أبعادها الوطنية، فالناخب الذي يدلي بصوته بناءً على قضايا الأسعار والعمل والضرائب، يساهم - بشكل غير مباشر - في رسم ملامح قدرة الإدارة على إدارة الحروب، وتقديم الدعم العسكري، والتفاوض التجاري مع الشركاء والخصوم. ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار الاقتراع استفتاءً شاملاً على الملفات الخارجية كافة، أو افتراض أن فوز حزب ما سيقلب السياسة الأميركية رأساً على عقب، فالنتيجة ستحدد موازين الرقابة والتفاوض داخل واشنطن، بينما يحتفظ الرئيس بصلاحيات واسعة، وتظل التغييرات الكبرى مرهونة بتوافقات تشريعية معقدة. إنها مواجهة انتخابية داخلية، لكن ارتداداتها ستمتد إلى الخارج عبر ما تكشفه عن حدود القوة الأميركية، واستمرارية توجهاتها، وقدرة مؤسساتها على ضبط مساراتها.
* كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.


