على امتداد نصف قرن، ظل المغربُ يدافع عن صحرائه بثبات دولة تعرف تاريخَها، وتدرك أنَّ الحقوقَ الراسخةَ لا تتبدل بتبدل المواقف الدولية، ولا تسقط بطول المنازعات. فقد ارتبطت الصحراءُ بالدولة المغربية بصِلات البيعة والولاء والامتداد التاريخي، وهي روابط أقرّت محكمة العدل الدولية سنة 1975 بوجودها بين سلطان المغرب والقبائل الصحراوية. وحين أُنشئت بعثة «المينورسو» سنة 1991، كانت مهمتها الإعداد لاستفتاء تقرير المصير ومراقبة وقف إطلاق النار. غير أن الإعداد للاستفتاء اصطدم منذ بداياته بمسألة جوهرية تتعلق بتحديد الهيئة الناخبة. فقد كان الإحصاء الإسباني لسنة 1974 قاصراً عن استيعاب جميع الامتدادات القبلية الصحراوية التي تمسّك المغربُ بحقها في المشاركة، في حين دافعت «البوليساريو» عن معايير أكثر تقييداً. 
وتراكمت الطعونُ والاعتراضاتُ، حتى أصبح الخلافُ حول مَن يحق له التصويت عائقًا أمام إجراء الاستفتاء نفسه. وكان واضحاً أن الإصرار على آلية استنفدت عقوداً دون نتيجة سيطيل أمدَ النزاع، ويترك المنطقةَ أسيرةَ خصومة تستنزف إمكاناتِها وتؤخّر مستقبلَ أبنائها. ومِن هنا جاءت مبادرةُ الحكم الذاتي التي قدّمها المغربُ سنة 2007، لتفتح طريقاً مختلفاً يقوم على تدبير السكان لشؤونهم في إطار السيادة المغربية، مع ضمان اختصاصات محلية واسعة. وقد استطاعت الدبلوماسيةُ المغربيةُ، بالصبر والعمل المتواصل، أن تنقل هذا المقترحَ إلى صدارة النقاش الدولي. فالولايات المتحدة اعترفت بالسيادة المغربية على الصحراء، وفرنسا أكدت دعمَها للحكم الذاتي في هذا الإطار، وبريطانيا اعتبرت المبادرةَ المغربيةَ أساساً ذا مصداقية وقابلية للتطبيق. ثم جاء قرارُ مجلس الأمن 2797، في 31 أكتوبر 2025، ليجعل المقترحَ المغربي أساساً للمفاوضات، ويفتح مجالا مجالاً لتسوية سياسية تتجاوز مأزقَ الإجراءات التي عطّلت الحلَّ طويلاً.
أما انتهاء ولاية المينورسو في 31 أكتوبر 2026، بعد إخفاق مجلس الأمن في تجديدها، فقد كشف حدودَ الرهان على العودة إلى الآليات السابقة. فالجهاتُ التي سعت إلى المحافظة على المسار القديم لم تستطع إحياءَه بمجرد تعطيل المقترح الجديد. وقد جاء بلاغُ الديوان الملكي مؤكِّداً تمسكَ المغرب بوحدته الترابية، والتزامه بوقف إطلاق النار، ومواصلته العملَ الدبلوماسي. والمرحلةُ المقبلةُ تستدعي أن يواصل المغربُ حضورَه في أقاليمه الجنوبية بالتعمير والاستثمار وتطوير البنيات الأساسية، وأن يعالج أوضاعَ المناطق التي ظلّت خاضعة لترتيبات أمنية خاصة، بحكمة تحفظ الاستقرارَ وتمنع استئنافَ المواجهة. فقد أصبح ما تحقق في العيون والداخلة وغيرهما من مشاريع التنمية جزءاً من الحجة المغربية، بما يوفره من فرص للعمل والتعليم والخدمات والعيش الكريم.
وتبقى مأساةُ المحتجزين في مخيمات تيندوف مِن أشد الجوانب الإنسانية إلحاحاً في هذا الملف. فهؤلاء بشر لهم حقُّ الحرية والتنقل ومعرفة مصيرهم واختيار مستقبلهم. ومن واجب المجتمع الدولي المطالبةُ بإحصاء موثوق لسكان المخيمات، وضمان حقوقهم، وتيسير عودتهم الطوعية ولمّ شمل أسرهم، بعيداً عن الحسابات السياسية التي أطالت معاناتِهم.
 لقد اختار المغربُ أن يجمع بين التمسك بحقه التاريخي والعمل الدبلوماسي والسلمي، وأن يجعل من التنمية شاهداً على قدرته على بناء المستقبل. ولعلَّ الدرسَ الأبرزَ من هذه العقود أن إطالة النزاع لا تصنع حقاً، وأن التشبثَ بالوسائل التي استنفدت أغراضَها لا يغني عن البحث الجاد عن تسوية قابلة للحياة. فالصحراء في وجدان المغرب امتدادٌ لوطن، وفي عمل دولته مسؤوليةُ عمران وتنمية، وفي مستقبل أبنائها أمانةٌ لا يجوز أن تظل معلقةً على خلاف طال أكثر مما ينبغي.


*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة