في الآونة الأخيرة تسابق المبرمجون لإصلاح ثغرات معروفة منذ سنوات في لغة برمجة يتجاوز عمرها ثلاثة عقود. فاللغة، «بي إتش بي»، تُستخدم في نحو مليار موقع حول العالم، وعيوبها قد تتيح للمهاجم الاستيلاءَ على خادم ويب. ووصفت شركة «أوبن إيه آي»، التي ساعدت نماذجُها في اكتشاف الثغرات، الأمرَ بأنه «واحدة من أكثر المشكلات الأمنية تأثيراً في الذاكرة الحديثة».
وكان الخبر أفضل دعاية لمختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في الأمن السيبراني، وهو السوق المثالي لها. لكن ما يجعل السوقَ جذّاباً للمختبرات يجعله صفقةً خاسرةً لبقية الاقتصاد. وتتمثّل أكبر مخاطرة للمختبرات الرائدة في أن تتجاوز نماذجها احتياجات العملاء، مما يزعزع مكانتَها أمام منافسين يقدمون حلولاً أرخص. فالعديد من الشركات يكتفي بنموذج يتأخر بضعة أشهر، ولا تحتاج معظم الوظائف إلى دفعِ أعلى الأسعار مقابلَ نموذج أحدث.
لكن الأمر يختلف حين تكون المهمة التفوق على خصم مدعوم بالذكاء الاصطناعي. في الأمن السيبراني، ما دام النموذج الأكثر تطوراً قادراً على اكتشاف ثغرات أو إصلاحها يعجز نموذج أقل تقدماً عنها، فلا وجود لما يُسمى «جيداً بما يكفي». ومع مخاطر مرتفعة كمنع هجوم إلكتروني، يصبح دفع علاوة للأفضل ضرورياً. فالمدافعون عليهم سد كل ثغرة، بينما لا يحتاج المهاجمون إلا إلى واحدة، والنماذج الأحدث تواصل اكتشاف ثغرات لم ترصدها الأدوات الأقدم. ولطالما شكّك اقتصاديون في اعتبار هذا الإنفاق نمواً اقتصادياً. ففي عام 1945، رأى سايمون كوزنتس، الذي أعدّ أولَ تقديرات رسمية للدخل القومي الأميركي عام 1934، أنه ينبغي استبعاد الإنفاق العسكري زمن السلم من الناتج القومي الإجمالي.
فالدفاع، في رأيه، تكلفة لإنتاج ما يستهلكه الناس، لا جزء مما يستهلكونه. لكن وزارة التجارة خالفت رأيَه، وساد تعريفُها. وفي عام 1972، صنّف الاقتصاديان بجامعة ييل، ويليام نوردهاوس وجيمس توبين، الدفاعَ الوطني ضمن ما سمياه «الإنفاق المؤسف»، وقالا إنه «لا توجد دولة عاقلة تشتري الدفاعَ لأن خدماته مرغوبة لذاتها».
وينطبق الأمر على الأمن السيبراني: لا أحد يشتريه لذاته، بل هو تكلفة ممارسة الأعمال. وقد ساهمت المختبراتُ، دون قصد، في تفاقم التهديد الذي تدافع عنه لتحقيق الربح. ويحذّر إفصاح «أوبن إيه آي» مِن أن قدراتها التي تبيعها «قد تساعد المهاجمين أيضاً على تطوير أدوات هجومية واستغلالات للثغرات بسرعة».
كما تتضمن الشيفرات المكتوبة بأنظمتها عيوباً أمنيةً. ووجدت «فيراكود»، التي تبيع برامج فحص الشيفرات، أن الشيفرات المولّدة بالذكاء الاصطناعي اجتازت اختبارات الأمان في 56% من الحالات، بنسبة «لم تتغيّر تقريباً» عن العام السابق. وتبيع «أنثروبيك» برنامجي «كلود كود» و«كلود سيكيوريتي»، فيما تقدم أوبن إيه آي «كوديكس» و«كوديكس سيكيوريتي»: أدوات كتابة الشيفرات وتدقيقها معاً. ويحسِّن القضاءُ على الثغرات الأمنَ السيبراني، لكن الذكاء الاصطناعي يسهِّل اكتشافَها للمهاجمين والمدافعين. ويعتمد جزءٌ كبير مِن الإنترنت على جهود أشخاص لا يملكون موارد لدفع تكاليف حماية أفضل. فالبرمجيات التي تشغل معظم المواقع تدعمها مؤسسة جمعت 730.534 دولاراً من التبرعات العام الماضي، وكان لديها 11 مطوراً متعاقداً مطلع العام الحالي.
وتقول المؤسسةُ إن فريقَها الأمني «يتلقى الآن تقاريرَ أكثر بكثير من السابق»، بفضل الأبحاث المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وأنشأت المختبراتُ نظاماً تكرارياً يعمل تلقائياً. وصرّح سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، مؤخراً بأن النماذج ربما تستطيع اكتشاف أخطاء «خارج نموذج التهديد المعتاد، أي خارج ما نعتقد أن القراصنة قادرون على فعله». واقترح «تغيير نموذج الدفاع بالكامل» إلى آخر يستخدم «التكنولوجيا نفسها» لبناء «درع دفاعي جديد». وهذا مكسبٌ للمختبرات، لكن اقتصادياً، كل قرش يُنفَق على ذكاء اصطناعي دفاعي للحماية من تهديد الذكاء الاصطناعي الهجومي خسارة صافية.
ولحسن الحظ، قد لا يطول الخطَر. فقد كتب الفريق الأحمر في «أنثروبيك» أنه عند بلوغ «توازن جديد»، ستعود النماذجُ «بالنفع على المدافعين أكثر من المهاجمين». وحتى ذلك الحين، ربما نكون في ما سمّاه عالمُ الأحياء روجر برنت «وادي ظل الموت»: المرحلة التي تساعد فيها التكنولوجيا الجديدةُ المهاجمينَ قبل المدافعين. ويعتمد استمرارُ النشاط المربِح للمختبرات في الأمن السيبراني على بقائها في الوادي.
فإذا استخدم المدافعون النماذجَ «لإصلاح الأخطاء قبل طرح أي كود جديد»، كما يتوقع فريق «أنثروبيك»، ستختفي العلاوةُ المدفوعةُ لأحدث نموذج، وسيصبح الأمنُ سوقاً أخرى يكفي فيها نموذج متأخر بضعة أشهر. وسنعرف أننا نغادر الوادي عندما تتوقف النماذجُ الأحدثُ عن اكتشاف ثغرات جديدة، أو عندما تتمكن نماذجٌ رخيصةٌ ومتاحةٌ للجميع مِن بناء أنظمة واختبارها بحيث تعجز أفضلُ النماذج عن اختراقها.لكن إلى أن نخرج من الوادي، فإن أفضل سيناريو للأمن السيبراني، بالنسبة للمختبرات المطوِّرة لهذه النماذج، يمثّل في الوقت ذاته أسوأ سيناريو بالنسبة لبقية العالم.
*كاتب متخصّص في الإدارة والابتكار وأستاذ القيادة بكلية «يل» للإدارة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


