يحفل تاريخ أقواس النصر بالكثير من التعقيدات والتشابكات السياسية والمعمارية. لكن أين يقع الصرح المثير للجدل الذي اقترحه دونالد ترامب ضمن هذا السياق التاريخي؟
كان الرومان قد ابتكروا «قوس النصر» لتكريم أصحاب الأعمال العظيمة الذين ينبغي، بحسب المؤرخ الروماني بليني الأكبر، رفعهم «فوق سائر البشر». ثم ارتبط بالقادة المنتصرين العائدين من المعارك، وصار بوابة رمزية يعبر منها القادةُ المنتصرون.
وكان قوس تيتوس، من أوائل تلك الأقواس، وقد شُيد عام 81 ميلادية، تخليداً لانتصار تيتوس وفيسباسيان في حصار القدس قبل عقد من ذلك التاريخ.
وجاء قوس قسطنطين عام 315 ميلادية بقرب الكولوسيوم، وكان أكبر أقواس روما، وقد أُقيم احتفاءً بانتصار قسطنطين في معركة جسر ميلفيان. وأصبح القوسان نموذجين جرت محاكاتهما عالمياً. فأقواس النصر تجسِّد القوةَ، سواء استندت إلى الواقع أم عبّرت عن طموحات ومحاولة لرسم صورة غير واقعية. وقوس ترامب فصل جديد في تاريخ العمارة البطولية المسخَّرة لخدمة الأيديولوجيا.
وقد تطور حجم الأقواس ورمزيتُها، فأُقيم بعضها لتكريم القتلى أو للتعبير عن طموحات الأنظمة. فقوس نارفا في سانت بطرسبرغ، المشيَّد عام 1814، خلَّد الهزيمة التي ألحقتها روسيا بجيش نابليون عام 1812. أما قوس النصر في باريس، الذي بدأ بناؤه قبل ذلك واكتمل بعد عقود، فيُكرم قتلى الحروب النابليونية والثورة السابقة لها.
وظلت الإحالات الكلاسيكية حاضرة، فاستلهم المهندس الإنجليزي جون ناش قوس قسطنطين في تصميم قوس ماربل، الذي اكتمل عام 1833 تكريماً لبريطانيا في الحروب النابليونية. وباعتبار إنجلترا نفسها وريثة روما، استلهمت آثارَها، كما جاء القوس رداً على قوس باريس المستوحى من قوس تيتوس.
وأعادت نيويورك إحياء النموذجين، فقوس واشنطن، من تصميم ستانفورد وايت، استلهم قوس تيتوس، بينما حاكى نُصْب ثيودور روزفلت، مدخل متحف التاريخ الطبيعي الأميركي في سنترال بارك، قوس قسطنطين. وأعاد قوس الجنود والبحارة، المكتمل عام 1892 خارج متنزه بروسبكت، تكريم القتلى، وكذلك قوس النُّصب الوطني في متنزه فالي فورج، المُهدى عام 1917 لجنود الجيش القاري.
وامتدت الأقواسُ إلى آسيا. فقد صمّم جورج ويتت بوابةَ الهند في مومباي، مستلهماً العمارةَ الغوجاراتية، واكتمل بناؤها عام 1924 تخليداً لوصول الملك جورج الخامس عام 1911، في أول زيارة لملك بريطاني لشبه القارة الهندية بعد نحو 300 عام من الوجود البريطاني. والمفارقة أن هذه البوابة شهدت نهايةَ الحكم البريطاني، ففي فبراير 1948 غادرت آخرُ القوات البريطانية الهندَ المستقلةَ عبرها.
ولا يعرف تضخيم الأقواس حدوداً، فقد اكتمل نُصْبُ الثورة، أطول أقواس النصر، في مكسيكو سيتي عشيةَ الحرب العالمية الثانية، بارتفاع 220 قدماً، أكثر من ثلاثة أمثال قوس قسطنطين.
وكاد اللقب يُنتزع عام 1941، حين عرض ألبرت شبير على هتلر قوساً بارتفاع 400 قدم فوق برلين، ضعف ارتفاع قوس باريس. وكان محور مشروع إعادة بناء برلين باسم «عاصمة العالم جرمانيا» للرايخ الألفي. ولم يبقَ منه سوى أسطوانة خرسانية لاختبار قدرة تربة تمبلهوف المستنقعية على التحمل، وزنها 13.644 طناً.
وسيظل جنون العظمة قائماً ما دام البشر يسيطرون على الكوكب. ففي بيونغ يانغ شُيد ثاني أطول أقواس العالم تخليداً لاستقلال كوريا بعد الحرب العالمية الثانية. وافتُتح عام 1982 في عيد ميلاد كيم إيل سونغ السبعين، ويتكون من 25.500 كتلة غرانيت، ترمز كل منها إلى يوم عاشه «القائد العظيم».
وباستثناء قوس البوابة في سانت لويس، المصنوع من الفولاذ المصقول، والذي يحتفي بالتوسع الأميركي غرباً ويستحضر تقاليدَ أقواس النصر دون تبنِّيها، تراجع الأميركيون عن تشييدها هذا القرن. وقد يتغير ذلك إذا نفّذ ترامب مشروعَه، فرغم معارضة منظمات معمارية وبيئية، سيرتفع «قوس النصر الأميركي» 250 قدماً، متجاوزاً القوس المكسيكي، وسيزيد على ضعف ارتفاع نُصب لنكولن، ويتجاوز قوس باريس بنحو 100 قدم.
ومن مشكلات «قوس ترامب» موقعه المقترح في «ميموريال سيركل»، وراء نهر بوتوماك وعلى المحور الواصل بين نُصْب لنكولن ومقبرة أرلينغتون الوطنية. ولحماية هذا المشهد، أقنع مهندس تنسيق المواقع غيلمور دي. كلارك، رئيس اللجنة الأميركية للفنون الجميلة، فرانكلين روزفلت بعدم بناء البنتاغون في أرلينغتون فارمز، حيث كان سيحجب شواهد القبور وبيت أرلينغتون. وغضبت وزارة الحرب، لكنها تراجعت، وشُيّد البنتاغون بعيداً. وقد تنتقم الوزارةُ الحاليةُ، إذ قد يكون «قوس ترامب» أول قوس يُصمم منشأة عسكرية وموقعاً للقناصة والطائرات المسيّرة.
لكن المشكلة الحقيقية هي الغرض من بنائه، فما الذي يحتفي به هذا الصرح؟ هل هو تخلي بلدنا عن دوره قوةً للخير، أم انقساماته الداخلية؟ أهو استعراض للقوة من دولة تتراجع، وبوابة هند أخرى على نهر بوتوماك؟ وهل ستُصنع معظم أجزائه في الصين؟ سيكون نُصباً يموّله دافعو الضرائب لتخليد طموحات شخصية. فكلمة «ترامب» تتشابه مع كلمة «انتصاري» بالإنجليزية في النطق والكتابة، والأخيرة مشتقّة من الكلمة الفرنسية «تريومف».
ـ. ـ ــ. ـ ــ ـ
توماس ج. كامبانيلا*
*مؤرخ أميركي وأستاذ التخطيط الحضري والإقليمي بجامعة كورنيل
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


