يستعيد المفكر وعالم الاجتماع المغربي علي أومليل في كتابه "سؤال الثقافة"، ذلك الاستفهام الشهير الذي طرحه "ماكس فيبر" قبل نحو مئة عام من الآن وهو: كيف تصنع الثقافة التنمية؟ فخلال فصول الكتاب الستة، يلقي مؤلفه أضواء كاشفة على المسألة الثقافية، ويناقش نظرة "الليبراليين الجدد" إلى الثقافة، ويستعرض وضع الثقافة العربية في عالم متحول، ويعلل من منظورات ثقافية مختلفة فكرتي الحرية والعدالة، ويقيم حوار الثقافات وعوائقه وآفاقه، وأخيرا يناقش علاقة الدولة النامية بمجتمعها والأسس الثقافية لهذه العلاقة.
فقد حاول "ماكس فيبر" في أطروحته حول "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" إثبات العلاقة بين القيم الثقافية للبروتستانتية وبين الاقتصاد الرأسمالي الذي خلق الثروة واقتصاد السوق، قائلا: إن العقلانية الحديثة اختصت بها حضارة الغرب دون باقي الحضارات، وإن الأولى هي التي أرست دعائم الدولة الحديثة بدستورها المكتوب وقوانينها المجردة. ثم يؤكد ورثته "الليبراليون الجدد" القائلون بفرضية الامتياز الاستثنائي للثقافة الغربية، على أن الحداثة، متمثلة في الديمقراطية واقتصاد السوق، ما كان لها أن تكون ممكنة خارج القيم الثقافية الغربية. وهي الأطروحة التي يرفضها كليا علي أومليل، مشيرا في هذا الصدد إلى أن دعوى الامتياز الغربي لم تعد شيئا مسلما به نظرا للتطورات الحاصلة في شرق وجنوب شرق آسيا، بما فيه ماليزيا وإندونيسيا، إذ كان لها ما يبررها والغرب يهيمن على العالم؛ فحينئذ رسخ في أذهان الشعوب المستعمرة، ونخبها بصفة خاصة، أن قوة الغرب راجعة إلى قوة مؤسساته ومصداقية قيمه الثقافية، فدعت الحركات الإصلاحية في البلدان الواقعة تحت نير الاستعمار الأوروبي إلى تبني تلك القيم واقتباسها. وهكذا أعطى الفكر الإصلاحي، ومن بعده الحركات الوطنية، أهمية خاصة للثقافة وتحديث القيم الثقافية، فكان التعليم أولوية من أولوياتهما، بسبب الدور الذي لعبه في إطلاق النهضة الأوروبية ونشر الوعي والتنوير والتحديث، وباعتباره وسيلة مهمة لخلخلة البنى الاجتماعية التقليدية وبروز نخب جديدة. لكن وفقا لرأي المؤلف، لم يعد التعليم رافعة قوية للتحديث أو وسيلة لإنعاش الحراك الاجتماعي، وإنما أداة لتكريس التفاوت الاجتماعي والتوارث الطبقي، بل يشكك في النوايا الحقيقية وراء المبالغة في دوره؛ فحين دعا مفكر مصري هو طه حسين الذي كان أكثر المفكرين العرب دفاعا عن فكر الأنوار وأكثرهم اهتماما بمسألة التعليم، إلى تأميم التعليم الديني وإخضاعه لإشراف الدولة ومراقبتها، لم يشأ أن يلاحظ أن هذه الدولة التي منحها كل ذلك الدور لبناء الديمقراطية والحداثة في العقول، لم تكن هي نفسها ديمقراطية ولا حداثية، ومن ثم لا يعطي الشيء فاقده! ويتساءل المؤلف: لماذا ظل "الليبراليون" العرب أفرادا معدودين، ولم يتحول الفكر الديمقراطي الليبرالي إلى حركة سياسية فاعلة في الواقع العربي؟ فيشير في معرض إجابته إلى طبيعة الثقافة السياسية للقوى التي طالما طالبت بالتغيير؛ فقضية الديمقراطية لم تكن قضية مبدئية أو اختيارا استراتيجيا عند أي من فرقاء السلطة أو المعارضة، بل كانت الأولوية عندهم جميعا هي قضية السلطة: كيف السبيل إلى إحلال نظام وحدوي عند القوميين، أو سلطة شعبية عند اليساريين، أو نظام إسلامي عند الإسلاميين... من هنا كانت الحريات الشخصية ملحقة بالحريات العامة ومندمجة فيها، سواء إبان النضال من أجل الاستقلال، أو في ظل دولة الاستقلال التي تبنت سياسات التعبئة لتصبح دولة مفرطة المركزية والسلطوية! وحيث إن هذه الدولة انتدبت نفسها لإنجاز "التحديث" وأرست مشروعيتها في ذلك الأفق، يتساءل المؤلف عن طبيعة العلاقة بينها وبين مجتمعها: صراع أم شراكة؟ ليوضح أن الدولة في البلدان النامية تشكلت وفقا لأيديولوجيا اشتقتها من ميراث النضال الوطني ضد الاستعمار: قدسية الوحدة في مقابل نبذ التعددية، ومركزية الإدارة والسلطة على حساب التعددية وإشراك الأهالي وفقا لتنظيمات محلية أو تنظيمات المجتمع المدني! وهنا يشير د. أومليل مرة أخرى إلى طبيعة الثقافة السياسية ليفسر لنا كيف تعلقت بعض نخب العالم النامي بالانقلابية وعولت على "الثورة" لإنجاز التغيير الشامل، وطي التخلف في زمان مختزل! أما الوضع الحالي للدولة في عصر يتجه نحو العولمة، فيتأثر على نحو عميق بطبيعة النخب الليبرالية المتحمسة لاقتصاد السوق، لكنها تضرب صفحا عن الحريات التي تعني كل المواطنين، أي الحريات المدنية والسياسية!.
بيد أن إخفاق الدولة النامية في تحقيق التنمية وتعزيز المواطنة والمشاركة، أدى إلى صعود هويات كانت مكبوتة إلى السطح، ثم جاءت العولمة لتشكل تحديا خطيرا لما ادعته من هوية ثقافية متجانسة. وفي هذا الصدد يؤكد المؤلف على التبدل الكبير الذي أصاب مفهوم الثقافة ووظيفتها؛ فهي لم تعد ممارسة كمالية للاستماع والتمرن الذهني، بل باتت محددا للسياسة الاقتصادية، وللسياسة التربوية والتعليمية، ولأسس التوافق على قواعد العمل السياسي، ول