حين حصلت انتفاضة 14 آذار الشبابية في بيروت، كان ثمة من لا يريد الاعتراف بأن فرصة ما قد أتيحت لولادة وطنية لبنانية عابرة للطوائف. ووراء عدم الاعتراف هذا وُجد قدر غير ضئيل من الرغبة في أن لا تنشأ هذه الوطنية. وكان، في المقابل، من بالغ في قراءة 14 آذار، فأخذته سكرة اللحظة بعيداً عن الواقع الاجتماعي والتاريخي اللبناني. وقد ذهب هؤلاء في التفاؤل إلى حد الإعلان عن وفاة الطائفية، إن لم يكن الطوائف أيضاً، والمباشرة ببناء وطن لبناني حديث وجامع.
والحال أن بعض من بالغوا في التفاؤل، وهم قادة وسياسيون في طوائفهم، سهّلوا مهمة الطرف الأول من رافضي الإقرار بـ14 آذار. وهكذا انتهت الأمور، لا سيما مع الانتخابات النيابية الأخيرة، إلى ما انتهت إليه من إعادة تكريس غير مسبوق للواقع الطائفي.
على امتداد هذه الطريق الملتوية كانت الطوائف تفعل فعلها معززة ببسيكولوجيتها ومشاعرها ومخاوفها مما أحدثته التجارب التاريخية وقصور الوعي السياسي الحديث لديها. فكل واحدة منها تتمتع بخصوصية لا معنى للبنان من دونها، لكن كلاً منها تملك من الحساسيات ما يمكنه تدمير لبنان ودفعه إلى الاستحالة.
ولنأخذ مثلاً، كعيّنات على السلوك، الكتل الطائفية الثلاث الأكبر في تشكيل 11 آذار:
فالطائفة السنية اللبنانية هي التي تلعب تاريخياً دور جسر لبنان إلى العالم العربي، لكنها أيضاً القاعدة السكانية الأكبر للحياة المدينية والتجارية كما تتجلى في مدن لبنان الثلاث الأكبر، بيروت وطرابلس وصيدا. وقد طرأ على هذه الطائفة تحول هائل مع جريمة اغتيال الرئيس الحريري، انتقلت بموجبه إلى درجة أعلى من الجهر في ما خص تبني فكرة الوطنية اللبنانية، بعد تاريخ طويل نسبياً من مداعبة حلم الوحدة العربية انطلاقاً من سوريا. والراهن أن هذا التحول الذي فجرته الجريمة كانت له مقدمات ضامرة في عدادها شعور السنة بالتضرر والتهميش إبان الحرب التي وجدت غطاءها في عديد من الشعارات القومية والراديكالية. أما في عهد الوصاية السورية ابتداء بـ1990، فأحست غالبية الطائفة بقدر من الإلحاق والاستتباع اللذين لقيا ما يزكّيهما في الأوضاع الأهلية داخل سوريا نفسها، كما في المحاصرة المتواصلة التي تعرض لها الرئيس الحريري ومناصروه. وما دام أن مأساة اغتياله كانت السبب المباشر وراء 14 آذار، بدا طبيعياً أن يلعب نجله ووريثه السياسي، سعد، دوراً متصدراً في المعارضة، فكيف وأن الحريري الأب كان قد اكتسب قامة إقليمية ودولية، فيما تأدى عن الخدمات التعليمية والاجتماعية الواسعة التي قدمها إلى توسيع نوعي للحصة السنية في الطبقة الوسطى اللبنانية الحديثة؟
لكن لئن وجد دور الحريري النجل، التفهم والترحيب لدى الطوائف الأخرى، بما فيها المسيحيون، بقي أن الآخيرين تخوفوا مما اعتبروه تقليلاً من حجم تضحياتهم في مواجهة النفوذ السوري. فقد عبّر بعضهم صراحة عن هذه الحساسية، معتبرين أن قادتهم تعرضوا للقتل والنفي والمحاصرة قبل سنوات على مصرع الحريري. وأضاف بعضهم مآخذ أخرى في عدادها الطريقة "الفوقية" التي رافقت اختيار بعض المرشحين المسيحيين من شركاء 14 آذار في لوائح سعد الحريري، وكذلك حصر المطالبة بـ"الحقيقة" في أسباب الاغتيال وظروفه، وإغفال سائر "الحقائق" الأخرى.
أما الطائفة الدرزية فهي وإن كانت صغيرة العدد والرقعة، تلعب دوراً أساسياً في التوازنات السياسية للجبل، وللبنان تالياً. إلا أنها تحتل أيضاً مكانة معنوية تتعدى حجمها، ويكمن مصدرها في التاريخ كما الواقع. ذاك أن الدروز هم الذين أنشأوا "لبنان الصغير" وأعطوه أمراءه قبل قرون على نشأة "لبنان الكبير" الحالي. ثم إنهم، وإن عاش بعضهم في سوريا وفلسطين/ إسرائيل، لا يملكون إلا لبنان مرجعية ثقافية لهم مقابل المرجعية الغربية للمسيحيين، والمرجعية العربية للسنة، والعراقية- الإيرانية للشيعة. لكن هذه الخصوصية الدرزية اضطرت دائماً، حفاظاً على نفسها، إلى اتباع سياسات شديدة الحذر والمداورة حيال الأكثريات المجاورة. فحين كان الجار المسيحي في الجبل يبالغ في استشعار قوته، كان التيار العريض في الطائفة الدرزية يتجه إلى التحالف مع الأطراف المسلمة والعربية. وحين كان يعصف الإحساس بالقوة بالجيران المسلمين، كان التيار العريض نفسه يلوذ بالتحالف مع المسيحيين.
والراهن أنه بعد المجازر التي شهدتها حرب الجبل، أواسط الثمانينيات، بدأت السياسة الدرزية تستقر على مبدأ "مصالحة الجبل" مع المسيحيين في عام 2000 والتحالف مع رفيق الحريري على نطاق وطني. والوجهة هذه بلغت ذروتها مع 14 آذار قبل أن تنتكس في مناخ عودة العماد ميشال عون من باريس والسجال الذي استجرته.
فوليد جنبلاط، الزعيم الأوحد لطائفته، قد يكون معذوراً في اتباع سياسة الحذر التي اشتهر بها. إلا أن نقاده لا يكتمون قلقهم حيال استعداده للذهاب إلى حافة الهاوية لدى ظهور أدنى خلاف معه حول صورة الجبل وسياسته. فهو بين يوم وآخر قد ينقلب من حليف إلى نقيض أو يروح يذكّر بالأيام السوداء للحروب ال