في الوقت الذي تستطيع فيه إفريقيا أن تخطو خطوات كبيرة للإفلات من الفقر الذي يجثم على أنفاسها مازال التخبط يطبع الاستراتيجية الأميركية لمساعدة القارة السمراء. ويتضح هذا التخبط في السياسات الأميركية اتجاه إفريقيا في تقديم رئيس مجلس تحديات الألفية، الذي أحدثه الرئيس بوش، لاستقالته مؤخرا بعدما عجز عن تحقيق الأهداف المرجوة. كما انتقد الزعماء الأفارقة غياب أي تحرك للولايات المتحدة على مسار النهوض بالقارة المنكوبة. هذا بالإضافة إلى ما أظهرته مؤخرا جلسات الاستماع في الكونجرس الأميركي من أن الجهود الأميركية لمكافحة الملاريا في إفريقيا لا تعدو كونها جعجعة إعلامية أكثر من كونها جهوداً حقيقية. وما زاد الطين بلة هو رفض الرئيس بوش للدعوة التي وجهها له رئيس الوزراء البريطاني توني بلير للإعلان عن مبادرة عالمية تهدف إلى مضاعفة المساعدات لإفريقيا وذلك قبل انعقاد قمة الدول الثماني الكبرى في الشهر المقبل.
وقد بدا الرئيس بوش وحده المغرد خارج السرب، حيث أبدى قادة الدول الأخرى استعدادهم لرفع الإعانات الموجهة إلى إفريقيا. أما بوش فكل ما استطاع تقديمه هو إعلانه عن زيادة هزيلة في حجم المعونات الغذائية الأميركية إلى القارة السمراء. وإزاء هذا الوضع تبرز الهوة السحيقة التي تفصل بين المقاربة الأميركية الخاطئة المرتكزة على تقديم المعونات الغذائية ومقاربة أخرى أفضل مبنية على مساعدة الأفارقة على زرع محاصيلهم الغذائية بأنفسهم.
وفي الوقت الذي اتفقت فيه مجموعة الدول الثماني الكبرى على إلغاء الديون الإفريقية، رغم أنها لا تشكل إلا نسبة ضئيلة تقدر بـ1.5 مليار دولار في السنة مقابل ما تحتاجه إفريقيا أي 25 مليار دولار سنويا، أعلنت إدارة الرئيس بوش أن الولايات المتحدة ستقوم بتعويض حصتها من التكاليف (حوالي 150 مليون دولار في السنة) بخصمها من مساعدات أخرى كانت تقدمها إلى إفريقيا. ويتضح تخبط السياسات الأميركية على نحو صادم عندما نعرف أن أكثر من ستة ملايين من الأفارقة سيموتون في السنة الواحدة بسبب مشكلات صحية يمكن معالجتها وتفاديها كسوء التغذية وعدم توفر مياه للشرب وانتشار الملاريا والسل والإيدز. ولعل النقطة الوحيدة المشرقة في السياسة الأميركية اتجاه إفريقيا هي برنامج الطوارئ الذي أطلقه الرئيس بوش لمحاربة مرض الإيدز حيث يتم بموجبه توزيع أدوية مضادة للفيروسات على أكثر من 200 ألف إفريقي على أمل أن يرتفع هذا العدد إلى مليوني شخص بحلول عام 2008.
ولكي تنجح هذه المساعي الإنسانية في التخفيف من وطأة المعانات اليومية للأفارقة يتعين على المساعدات الخارجية أن توجه إلى أهداف طموحة ومحددة وقابلة للقياس والتحقيق. ومن أجل ذلك يجب توفير التكنولوجيا المناسبة كالأدوية المضادة للفيروسات ووضع مواعيد محددة لإنجاز تلك الأهداف. أما الولايات المتحدة فعليها أن تنخرط في مساعدة الدول على مساعدة نفسها والكف عن إمدادها بأغذية سرعان ما تنفد لتبدأ المشاكل من جديد. فعلى أميركا أن تعي الأسباب العميقة للأزمة الإفريقية وأن تسهم في حلها ولا أجد طريقة أفضل من التعاون الثنائي للقيام بذلك. وفي ما يلي الطريقة المثلى لتصحيح اختلالات السياسة الأميركية اتجاه إفريقيا:
أولا، يجب الانضمام إلى توني بلير وباقي دول العالم في مساعيهم الرامية إلى مضاعفة المساعدات الإجمالية الموجهة إلى إفريقيا. ولتحقيق ذلك هناك أربع أولويات مترابطة مع بعضها بعضاً لا يمكن إغفالها تتمثل في زراعة المزيد من المحاصيل الفلاحية ومكافحة الأمراض وضمان تمدرس الأطفال ثم توفير البنية التحتية الأساسية (شق الطرق، توفير خدمات الطاقة، وتعزيز الصحة العامة ومنع تفشي الأمراض). وفي هذا السياق يمكن للولايات المتحدة أن ترفع من إسهاماتها التي تصل حاليا إلى 3 مليارات دولار خلال هذه السنة لتصل إلى 15 مليار دولار بحلول سنة 2010.
ثانيا، تحديد أهداف كمية تستند إلى أهداف الألفية الإنمائية التي وضعتها الأمم المتحدة ووافقت عليها واشنطن. وسوف تتيح هذه الأهداف محاسبة كافة الأطراف المعنية، كما ستتيح متابعة التقدم وإجراء التصويبات اللازمة.
ثالثا، تفعيل مجلس تحديات الألفية الذي أنشأه بوش حيث كان من المفترض أن يقوم المجلس بإنفاق 10 مليارات دولار في الفترة الممتدة من 2003 إلى 2005 بما في ذلك 5 مليارات خلال هذه السنة، إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث. لذلك يتعين على المجلس أن يصب اهتمامه على إجراء استثمارات عملية وإنفاق 8 مليارات دولار كل سنة إلى غاية 2010 تخصص أساسا للمساعدات لإفريقيا.
رابعا، توضيح الحقيقة للأميركيين عن النسبة الضئيلة من المعونات التي تقدمها الولايات المتحدة الأميركية لإفريقيا. فمن بين 3 مليارات دولار التي تشكل حجم المساعدات الأميركية خلال هذه السنة، فإن معظمها يذهب إلى الإعانات الغذائية أو رواتب الموظفين الأميركيين المشرفين على برنامج المساعدات. ولا تشكل الاستثمارات الفعلية التي ترمي إلى محاربة الملاريا وتوفير الماء الصالح للشرب إلا النزر ا