هل خطر على بال أحدكم وهو يشاهد "ملحمة الانسحاب" الإسرائيلي من غزة، السؤال التالي: الآن وقد رحل "المستوطنون" من المستوطنات قسراً، هل يستطيع الإسرائيلي المحتل للأرض والوطن الفلسطينيين أن يتفهم معنى ما فعله بالفلسطينيين منذ وعد بلفور؟
سؤال آخر: لماذا تحول الانسحاب الإسرائيلي من "غوش قطيف" و"غديد" وغيرهما من المستوطنات إلى "ملحمة بطولية" على التلفزيونات الغربية التي بثت ولساعات مباشرة مشاهد الدموع والشد والجذب بين الجنود الإسرائيليين وبعض المستوطنين والآلاف من الإسرائيليين المتطرفين الذين دخلوا المستوطنات واستحكموا في أحد كُنُسٍها، وهم لا ناقة لهم ولا جمل في تلك المسرحية؟
مسرحية واضحة الملامح، صب فيها الزيت والطلاء والأسيد، واختلطت الدموع بالتأوهات، والحزن المزيف بدموع التماسيح. مسرحية الحزن الإسرائيلي الذي سرق كحل عيون الصبايا الفلسطينيات الفرحات بـ"تحرير" غزة. سبحان الله، لهذه الإسرائيل "البارعة" التي استطاعت أن تنتصر حتى بحزنها على فرحنا.
الفضائيات العربية مشكورة غطت "الواقع"، شيئاً من المستوطنات وأحاديث مع الجنود الإسرائيليين الناطقين بلكنة فلسطينية مغشوشة، وكم سؤالاً للمسؤولين، وتقرير أو اثنين مع الشارع الغزاوي، ومشاهد لمسيرات حماس وغيرها.
لماذا استحكمت أحزان المستوطنات المسروقة على فرحة أهل غزة؟ هل لأن "التحرير" ناقص وإسرائيل لا تزال تسيطر على كل شيء، وشارون يزور أرض المستوطنات غداً، وقد يرغب في زيارتها بعد أسابيع، ولا من يمنع أو يمانع... أم لأن العالم لا يأبه لفرح أهلنا، فنسينا كيف نعبر عنه ونبثه، ونشعه في زغاريد نسائنا؟
··· وكيف تزغرد ثكلى؟··· وكيف يخرج الاحتلال من روح أم الشهيد؟... وكيف يصبح الفلسطيني المظلوم في الأساس، وصاحب الحق أبداً... صاحب الحق في الواقع؟
ليست أحجية، الصورة كما شاهدها العالم أمس أن المظلوم هو المستوطن الإسرائيلي الذي بنى بيته في غزة، وزرع "أرضه" و"سقاها" بعرق جبينه، وأجبره "الإرهاب الفلسطيني" و"جبن شارون" على ترك البيت والأرض "الموعودة"، إلى مستوطنة أخرى على أرض موعودة أخرى... وأن كل هذا ظلم!
أولاد جارتي بكوا مع الباكين متسائلين: لماذا يريدون طردهم من منازلهم... مش حرام؟
وهنا بيت القصيد، الحرام والحلال، ملكي وملكك... والملك لله أولاً وأخيراً. وطني ووطنك ووطنهم. ترى لو كانت الفضائيات موجودة في أعوام 1948 و1967 و1982، ونقلت مآسي الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وصور العجز والأيتام يحملون مفاتيح بيوتهم في رقابهم، مطرودين من قراهم وأرضهم التي ولدوا وأجداد أجدادهم فيها، هل كان الرأي العام تغير، هل كان سيشار إلى المحتل على أنه الظالم وإلى النازح واللاجئ أو الصابر المرابط في فلسطين على أنه المظلوم، وصاحب الحق في الدفاع عن أرضه وعرضه... إلى أن يستردا؟
لماذا لا يعوض كل فلسطيني أخرج قسراً من بيته وقتل أولاده ونبشت بياراته وأحرقت أشجار زيتونه وكروم عنبه، كما يعوض "الإسرائيلي المستوطن"؟
ترى هل هذا هو التحرير؟ هل هذه هي فلسطين العائدة، التي طلب رئيسها من أهلها "التعبير عن الفرح بهدوء"! أين هو الوطن الفلسطيني؟ ما هي حدوده؟ لماذا أدركنا حزنهم... وأين أفراحنا؟
اكتموا الزغاريد، فموعدنا مع الفرح لم يحن بعد.