"كاترينا" بن لادن
هل هنالك وجه شبه بين ما حصل على جسر الأئمة, في العراق, وبين الحاصل في ولايات خليج المكسيك, "نيواورليانز" و"آلاباما" و"فلوريدا"؟
الجواب السريع, ينفي التشابه. فما حصل على جسر الأئمة جريمة لها علاقة بالسياسة الأميركية- العراقية وبلعبة القوى التي تستخدم العباد مطية لتصل إلى مآربها. أما الحاصل في تلك الولايات الأميركية, فهو لعبة قوى الطبيعة التي تجسدت في إعصار "كاترينا" الذي قضى على الأخضر واليابس... والسائل أيضاً.
إلا أن هنالك وجه شبه... بل أوجه. غضب الأهالي الذين غرق أو جُرح ذووهم على ذلك الجسر المكتظ, هو نفس الغضب الذي شهدناه لدى سكان "نيواورليانز" الذين لم يعرفوا حتى الآن عدد موتاهم وجرحاهم والمتوقع أن يصل إلى 50 ألفاً.
هنالك وجه شبه آخر... الطريقة التي تناولت بها السلطتان العراقية والأميركية مصيبتيهما. من شاهد "ليث كبة" يتحدث إلى العراقيين طالباً منهم عدم التهويل والتذرع بالانضباط والهدوء, وشاهد الرئيس "الأعظم" جورج بوش قاطعاً إجازته السنوية, "مطقماً" بالبدلة الكحلية وربطة العنق الحمراء، مبدياً عدم ارتياحه للطريقة التي تعالج بها الأوضاع في ولايات خليج المكسيك, واعداً بالتحرك إلى هناك في طوافة – خوفاً من البلل أم من الغضب؟- يستطيع أن يؤكد أن هنالك تشابها في التعاطي... ولا ندري هنا من هو الأستاذ, ومن هو التلميذ, أم ندري؟
2000 دولار "ثمن" كل مواطن عراقي غرق في النهر. هل سيكون ابن المسيسبي أغلى؟ لا ندري. ولكن الواضح أن "كاترينا" لو كان منسوبا لبن لادن, لكان تحرك الإدارة الأميركية أسرع وأجدى. لو كان "كاترينا" قد شن هجومه الكاسح على نيويورك أو واشنطن, لما تأخرت الإغاثة, وهذا الكلام ليس كلامي إنما ما ردده أعضاء الكونغرس السود بالأمس.
"كاترينا" من فصيلة بن لادن, عرى أميركا, المختبئة تحت ستار من العنجهية, كونها أقوى دولة وأغنى دولة, وأكثر دولة مهتمة بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. بينما الحقيقة أن مشاكلها مثل مشاكل العالم, وعليها أن تتطور وتتثقف, وتتواضع.
والتعامل مع ما خلفه "الإرهابي كاترينا" من مشاكل صحية ومعيشية واجتماعية وسياسية وطبقية, أظهر أن العنصرية في أميركا ما زالت قائمة, وأن افريقيا التي بنيت ولايات خليج المكسيك-68% من سكانها من أصول أفريقية- على ظهور أهلها, تبقى فقيرة ولا حول ولا قوة لها حتى لو حملت الجنسية الأميركية.
لقد ذُهلت وأنا استمع للأعضاء السود في الكونغرس يطلبون بأعلى صوتهم أن تتفضل وسائل الإعلام الأميركية والإدارة الأميركية وتعتبر الـ 5 ملايين منكوب من "الأميركيين", الذين قضوا معظم حياتهم يدفعون الضرائب ويقومون بواجبهم الوطني والقومي, كأميركيين, وأن تكف عن تسميتهم "لاجئين".
ابن القس جيسي جاكسون, يسأل, وعن حق: أين فنادق أميركا؟ وأين شركات المياه المعدنية وهنالك أمهات وأطفال وشيوخ لم يشربوا نقطة ماء منذ 5 أيام؟ أين الجيش الأميركي الذي بنى مستشفى نقالا في بغداد في 12 ساعة فقط؟ أين الطائرات النفاثة والطائرات الرشاشة التي تستطيع إخماد الحرائق الكيميائية المشتعلة؟ أين البواخر السياحية التي تستطيع إجلاء الآلاف؟ ولماذا لم تفتح كل الولايات"الغنية" أبوابها وبيوتها ومدارسها للمنكوبين؟
جاء على لسان أحدهم في نشرة الأخبار: صعب على قوة عظمى أن تتعرض للإذلال. وحملت فتاة سوداء منكوبة لافتة كتبت عليها: لا ماء، لا طعام، لا كهرباء، لا أمل.
أهل المسيسبي, هم من صنعوا الأمل في الماضي, هم من تحملوا الأسى والسياط وغنوا للوجع وطوعوا الصبر... ولم يستسلموا... وحمداً لله أن "كاترينا" لا يمت إلى "القاعدة" بصلة, وإلا...