قليلة هي الحالات الإنسانية التي تتنوع تعريفاتها وتختلط مفاهيمها، كما هو الحال مع تعريفات ومفاهيم التمتع بالعقل، أو فقدانه، في ما يعرف بالجنون. ففي العصور الأولى، وقبل أن تظهر النظريات الطبية الخاصة بتفسير الأمراض العقلية، ساد الاعتقاد بأن فقدان العقل، سببه إما لعنة إلهية، أو تدخل من قوى طبيعية خارقة. في ظل هذا الاعتقاد، كانت التصرفات الشاذة والسلوك المنحرف من شخص فقد عقله، يُفسران إما على أنهما نتيجة استحواذ قوى خارجية على جسد الشخص المريض (الاستحواذ الشيطاني)، أو أنهما شكل من أشكال العقاب الإلهي للمذنبين والعاصين. هذا الاعتقاد قد يفسر أيضاً مصدر كلمة الجنون في اللغة العربية، على أنها حالة تنتج من سيطرة الجن على الشخص. في هذه التفسيرات، نجد أن الجنون هو مجرد تعبير لسيطرة قوى خارجية على عقل سليم صحيح، ولذا يمكن علاجه بسهولة ويسر من خلال تحرير العقل من هذه السيطرة. وجهة النظر هذه، لا تزال تجد من يؤمنون بها إلى يومنا هذا، وإن كانت تُقابل بالرفض التام من الغالبية العظمى من العلماء والأطباء. ولكن على الرغم من هذا الاتفاق شبه العام في الأوساط العلمية على عدم وجود علاقة بين الجن والجنون، فإن تعريف الجنون في حد ذاته لا يتمتع بالدرجة نفسها من الاتفاق. فمثلاً في القانون الجنائي، يعرف الجنون على أنه حالة من الاضطراب العقلي الشديد، لدرجة يمكن معها إعفاء الشخص من المسؤولية القانونية الناتجة عن فعله أو عن جريمته. هذا التعريف يشكل القاعدة الأساسية في نوع من الدفاع أمام ساحات القضاء، معروف قانونياً بالدفع بالجنون (insanity defense). في هذا النوع من الدفاع يطالب محامو المتهم، بأن تقتصر العقوبة على توفير علاج طبي للمتهم، وفي حالة ما إذا كان الجنون من النوع المؤقت، فإن الدفاع يطالب حينها بعدم تطبيق أي عقوبة بالمرة. أما في القانون المدني، فينص على أن إصابة شخص بالجنون، تؤدي إلى فقدانه للأهلية أو للصلاحية للدخول في عقود قانونية، أو في غيرها من أشكال الالتزام القانوني. وحسب بعض النظم القانونية في دول أخرى، تستلزم الإصابة بالجنون حجز المصاب إجبارياً في مصحة عقلية، رغم إرادته.
كل هذه التبعات في القانون الجنائي، والمدني، والطبي، تتواجد وتُمارس بشكل يومي منذ عقود وقرون، دون أن يكون هناك اتفاق عام على ما هو الجنون؟ ومن هو العاقل؟ ومن هو المجنون؟ فتعريف الجنون، في أبسط صورة، على أنه اضطراب شديد في الحالة العقلية، يتطلب منا أن نتفق على ما هو العقل أو التعقل؟ وما هي أحواله السليمة؟ كي نستطيع أن ندرك ونميز حالاته المضطربة. إجابة هذه الأسئلة ليست بالسهلة كما يبدو للوهلة الأولى. فالعقل هو أكثر من كونه مفهوماً إنسانياً اجتماعياً؛ فتعريفه يتأثر باعتبارات ثقافية واجتماعية وشخصية. فما قد يبدو اتزاناً عقلياً في بعض المجتمعات والثقافات، ومن وجهة نظر بعض الأشخاص، قد لا تشاطرهم مجتمعات وثقافات وأشخاص آخرون الرأي فيه. وفي محاولة للتخلص من هذا (الجنون) في التعريفات والمفاهيم الاجتماعية والثقافية، يمكننا أن نلتزم هنا فقط بالتعريفات الطبية العلمية البحتة، رغم قصورها الواضح كما سيتضح لنا لاحقاً. فالعقل، حسب المراجع الطبية، هو مصطلح يُستخدم لوصف الوظائف العليا للمخ، وخصوصا تلك التي يدركها الإنسان شعورياً، مثل الشخصية، والأفكار، والمنطق، والذاكرة، والذكاء، والعواطف. وهو ما يعني أن العقل لا يزيد على كونه مفهوماً شاملاً أو مظلة واسعة، تندرج تحتها كل الصفات سابقة الذكر. وهو ما يصطدم إلى حد كبير مع تعريفنا للجنون على أنه اضطراب في العقل. فبالنسبة للذاكرة، نحن لا نمنح الشخص ضعيف الذاكرة أو فاقدها صفة المجنون. وهو ما ينطبق أيضا على الذكاء، فالأشخاص منخفضو الذكاء أو معدوموه، لا يُشخصون أيضا على أنهم مجانين. وحتى اضطراب الأفكار، لا يمكن الاعتماد عليه في تشخيص الإصابة بالجنون. فالتاريخ الإنساني مليء بأفكار، وصف أصحابها حينها بالجنون، ولكنها أدت في النهاية إلى تطور الجنس البشري، على صعيد الدراسات العلمية، والاكتشافات الجغرافية، والتطورات الاجتماعية والاقتصادية.
ومما يزيد الموقف تعقيداً، أن محاولات تفسير ماهية العقل، وكيفية أدائه لوظائفه، لا تزيد على كونها مجرد نظريات، لا يوجد دليل علمي كافٍ على تحويلها إلى حقائق، أو نفيها. فمثلا النظريات الحديثة، والمبنية على كيفية تأدية المخ لوظائفه، ترى أن العقل في حد ذاته هو مجرد حالة نفسية، تتشابك وتترابط بالوعي والشعور، لدرجة أن كل واحد منهما يعبر عن الآخر إلى حد كبير. ولكن هل فاقد الوعي مجنون؟
مثل هذه الضبابية في تعريف العقل واضطرابه، قد تدفع بنا إلى اقتصار مفهوم الجنون على أنه اختلال في المنطق، وهو ما قد يخرج بنا عن نطاق العلوم القياسية، إلى غياهب الفلسفة الفكرية. فالمنطق كمفهوم، ابتدعه فلاسفة اليونان القديمة، للتعبير عن جانب من سمات التفكير، وخصوصا التفكير التجريدي، غير المعتمد على وجود القضية والمفكر في نفس الحيز المكاني. ويق


