فضيحة رشوة قوات الاحتلال للصحافة العراقية، كالنكتة المعروفة عن مدير شركة وجد في مكتبه سكرتيرته بوضع شائن، فقال: ''واي واي، غداً تدخِّنون سيجارة بمكتبي''! ''واي واي''، تعني ويلي· وكما يقول المثل العراقي ''ويلي أهون من ويلين''· الفرق بين الإثنين، كالفرق بين 10 ملايين دولار لمقاولة رشوة الصحافة العراقية ومليار دولار لمقاولة ''خطة النصر''، التي أعلنها الرئيس الأميركي في خطابه في الأكاديمية البحرية· صدرت مقاولة المليار دولار عن ''الوكالة الدولية للتنمية'' المسؤولة عن معظم خطط إعادة إعمار العراق، وهدفها ''تصميم وتنفيذ برنامج اقتصادي واجتماعي، لتهدئة عشر مدن استراتيجية لإلحاق الهزيمة بالحركة المسلحة في العراق''· ولم تُحدّد المقاولة بعدُ أسماء هذه المدن، التي سينال كل من يهدئ واحدة منها 100 مليون دولار على مدى سنتين، لكنها نبّهت إلى أن ''عدد المدن الاستراتيجية قد يتسع أو يتقلص مع الوقت''· و''الدعوة مفتوحة لأي نوع من الجهات''· صحيفة ''نيويورك تايمز'' كرّست افتتاحية للموضوع بعنوان ''المطلوب مدبّر للعراق· الخبرة غير ضرورية، المبلغ مليار دولار''·
و''ويلين'' على الصحفيين، الذين سقط منهم في العراق نحو 100 قتيل منذ الحرب، التي استبقتها ورافقتها أكبر عملية شراء ورشوة للإعلاميين في تاريخ المهنة· قتلى من مختلف الاتجاهات السياسية والأجهزة الإعلامية، بينهم حسب ''الاتحاد الدولي للصحفيين'' رئيس تحرير الصحيفة المحلية ''نبض الشباب'' محمد هارون حسن، ومراسل ''تلفزيون الجزيرة'' طارق أيوب، الذي اغتيل خلال قصف القوات الأميركية مكاتب ''الجزيرة'' في بغداد، ومراسل وكالة ''نايت رايدر'' الأميركية ياسر صالحي، الذي اغتاله قنّاص أميركي، عندما كان يستقصي عمليات تعذيب المعتقلين في سجون وزارة الداخلية العراقية، وفاخر حيدر، الذي يعمل لحساب صحيفة ''نيويورك تايمز'' في البصرة، حيث عُثر على جثته مرمية في أحد شوارع المدينة، وأحلام يوسف، المهندسة في الفضائية الرسمية ''العراقية''، التي قُتلت هي وزوجها، وأصيب ابنها بجراح خطيرة، وعبد الحسين البصري، الذي يعمل في تلفزيون ''الحرة'' الذي تموله الولايات المتحدة، وفراس المعاضيدي، وهند إسماعيل العاملان في صحيفة ''السفير''، التي تصدر في بغداد، والصحفي الكردي دِلر كرم علي، عضو الفرع الكردستاني في نقابة الصحفيين العراقيين، الذي قتلته القوات الأميركية في الطريق من بغداد إلى دربندخان·
وكما يقول المثل العراقي ''واحد تحترق لحيته وشخص آخر يشوي عليها كباب''· والكباب هنا، على غرار جميع ما يحدث في العراق يشويه المقاولون· تتولى المقاولات ''وحدة المهام الخاصة بالعمليات المعلوماتية'' التي تعهد بها إلى شركة علاقات عامة يرأسها محاربون قدماء أميركيون اسمها ''لنكولن غروب''· تشرف الشركة على عملية تحرير المقالات، التي يسميها الأميركيون ''قصص'' وتحويلها إلى مقاول ثانوي عراقي لترجمتها، ومنه إلى مقاول ثانوي آخر، يتلخَّص عمله بحمل ''القصص'' إلى الصحيفة، ومعها ''نضدة دولارات''، حسب تصريح موظف في صحيفة ''المدى'' لمراسل صحيفة ''لوس أنجلوس تايمز''· ويظهر من الفضيحة أن المقاول الثانوي دفع مبلغ 900 دولار للصحيفة، وسجل المبلغ على ''لنكولن غروب'' 1200 دولار·
ورداً على الاتهام بنشر المقالات ذكرت ''المدى'' في بيان توضيحي على الصفحة الأولى، أنها امتنعت عن قبول مبالغ طائلة من جهات كثيرة، ولم تكتف بالرفض، وإنما عمدت في مقالات افتتاحية إلى ''فضح وإدانة الكثير من الممارسات الإعلانية المستشرية، التي تغيب فيها الدوافع الواضحة ومصادر الإعلان''· وتخلو جميع المقالات، التي تُعدّها قوات الاحتلال من ذكر المصدر، وتنشرها الصحف العراقية دون الإشارة إلى أنها إعلان مدفوع· لؤي البلداوي، رئيس تحرير صحيفة ''المؤتمر'' التابعة لجماعة أحمد الجلبي أبدى استغرابه من دفع مبلغ 50 دولاراً لصحيفته عن نشر مقال دعائي بعنوان ''العراقيون يصرون على العيش رغم الإرهاب''، وأكّد أن صحيفته موالية لأميركا، و''أي شيء يدعم أميركا ننشره''· صحيفة ''الدستور'' تقاضت مبلغ 1500 دولار عن نشر مقال بعنوان ''أموال أكثر تخصص لتنمية العراق''، وذكر رئيس تحريرها أن الموضوع نشر تحت اسم ''خدمات إعلامية'' تمييزاً له عن مواد الصحيفة·
وتتم صياغة المقالات بطريقة توحي بأن كتابها عراقيين· مقالة ''الرياح تهب نحو العراق الديمقراطي'' المعدّة للنشر في صحيفة ''الزمان'' تهاجم ''تشاؤم المعلقين الأجانب في الصحافة الغربية بصدد مستقبل بلادنا والطريق، الذي اختاره شعبنا العراقي لنفسه''· وتستشهد المقالة بحديث للرسول صلّى الله عليه وسلّم يدعو إلى وحدة المسلمين ونبذ العنف· وتفخر شركة ''لنكولن غروب'' بعلاقاتها ''المزدهرة'' مع أكثر من 300 صحفي عراقي، لكنها امتنعت عن ذكر عدد الصحفيين العراقيين، الذين تدفع لكل منهم مئات الدولارات مرتبات شهرية· ويورد تقرير منشور في موقع الإنترنت ''دورية العراق'' المناهض للاحتلال معلومات تفصيلية من دا