تضم مجرة درب التبانة التي تسبح فيها شمسنا بضعة مليارات من النجوم الأخرى، وهي مكان من المؤكد أنه يبعث في ساكنيه الشعور بالفخر إذ أنها واحدة من أكبر مجرات الكون، وهي على رغم تباين الآراء فيها، تبقى الأكثر حظوة لدى البشر بمشاعر الحب.
تتخذ المجرات مختلف الأشكال، فمنها الكروية ومنها ذات الشكل غير المنتظم الشبيه بنقطة الماء ومنها ما اتخذت شكل القرص أو العدسة وامتدت من مركزها نحو الخارج أذرع جميلة لولبية مؤلفة من النجوم الفتية، وهو شكل مجرتنا درب التبانة الذي يصنفونه في فئة المجرات اللولبية من نوع الـGrand Design (أي التصميم المهيب)، وهي تنطق بجمال أخاذ يفوق قدرة الإنسان على الوصف ويعقد ألسنة الناظرين. غير أن مجرة درب التبانة ليست سوى واحدة من مليارات لا حصر لعددها من المجرات الأخرى، وقد أصيب العلماء بالدهشة مؤخراً عندما حاولوا أن يفهموا كيفية تكامل وجود مجرة درب التبانة مع غيرها من عناصر الكون.
فلنطرح هنا سؤالاً أساسياً: ما هي المجرة الأقرب إلينا؟ وهنا قد يجيب الكثيرون بأنها مجرة Andromeda، وهي في الحقيقة أقرب المجرات اللولبية الكبيرة إلينا، و(أقرب) هنا تعني مليوني سنة ضوئية، لكنها تعني أيضاً أن Andromeda منطلقة بحكم الجاذبية نحو مجرة درب التبانة.
وقد يقول البعض ممن يتمتعون ببعض من المعرفة الفلكية إن المجرتين الأقرب إلينا هما سحابة ماجلان الكبرى وسحابة ماجلان الصغرى. ودفعاً للالتباس يجب أن تعلموا أن كلتا المجرتين المذكورتين صغيرتان وتتخذان شكل نقطة الماء وتدوران حول مجرة درب التبانة، وهما تبعدان عنا 180 ألفا و200 ألف سنة ضوئية على التوالي. وقد بدا أن الجميع، حتى السنوات القليلة الماضية، مسرور بهذا الجواب، إذ أنهما كانتا أقرب مجرتين يمكننا رؤيتهما في السماء. غير أننا كنا مخطئين عندما صدّقنا أعيننا، حيث تبين أن هناك مجرتين غيرهما أقرب إلينا بكثير؛ أما تفسير عدم ملاحظتنا لهما فهو إلى حد ما قربهما الشديد منا، بل إنهما بالفعل في طور الاصطدام بقرص درب التبانة. إنهما مجرتان تسللتا بالفعل خلفنا مختبئتين خلف النجوم والغبار الكوني والغاز، أي المواد التي تشكل قرص مجرة درب التبانة.
فكيف إذاً فاتنا الانتباه إلى مجرتين تصطدمان بمجرتنا؟ إن للجواب تشعبات ومقتضيات أخرى، وهو يثير سؤالاً آخر: كيف لنا أصلاً أن نعرف على وجه اليقين أننا نعيش في مجرة لولبية؟! أي إذا لم يكن في وسع البشر أن يرفعوا أبصارهم إلى السماء فيروا في أعماقها البنى اللولبية لمجرتنا، فكيف يعلمون أنها موجودة؟!
يألف معظم الناس رؤية الضوء الخافت المشوش الذي يشق صفحة السماء، والذي شبّهه البشر من مختلف الحضارات بـ(طريق الحليب). وتتألف هذه الدرب المضيئة من اجتماع الضوء الصادر عن مليارات النجوم في مجرتنا؛ وقد أدرك الناس،على الأقل منذ القرن الـ18، أن لمجرتنا شكلاً مسطحاً مستويا.
لكن ماذا عن الأذرع اللولبية؟ كانت هذه مسألة صعبة، إذ أن مستوى مجرتنا كثيف يعج بالنجوم والغاز والسُحب العاتمة، وتقع مجموعتنا الشمسية ضمن كتلة هذه المواد كلها. بل إن مركز درب التبانة ليس مرئياً لنا ، فهو منطقة تنحشر فيها ملايين النجوم معاً في مدارات ثابتة حول ثقب أسود هائل، ويحتجب المركز عنا خلف سحب الغبار الكثيفة التي تتوسط ما بين الأرض والمركز.
ولذلك لم نكن قادرين في بادئ الأمر إلا على رسم خريطة لواقع أقرب النجوم إلى الشمس وأكثرها تألقاً. وعندما فعلنا ذلك، اكتشفنا أن كثيراً من النجوم الساطعة والأشد توهجاً موزعة في طبقات من الأقواس التي تخرج عن حدود الأذرع اللولبية التي ما زلنا حتى الآن لا نراها بأكملها· لكن في وسعنا، حتى برسم النجوم القليلة نستطيع رؤيتها، أن نستنتج مكاننا في المجرة: وهكذا نقول إننا نعيش على بعد 30 ألف سنة ضوئية من مركز مجرة درب التبانة، وعلى ارتفاع 20 سنة ضوئية فوق مستوى القرص، وبموازاة امتداد من النجوم يسمى بـ(ذراع الجوزاء) أو الذراع المحلي، وهو في الواقع ذراع ثانوي يربط ما بين ذراعين لولبيين رئيسين هما كوكبة (فرساوس)(أو الجبار) وكوكبة (القوس والرامي)·
إن مجرد ملاحظة أعداد وتوزيع النجوم قد وضعتنا على طريق طويلة، وهكذا تم اكتشاف أول المجرات الجديدة في عام 1994، حين كان العلماء يدرسون بُعْد وسرعات النجوم القريبة من المنطقة المركزية في مجرتنا فجذب انتباههم شيء غريب!!
كان هناك تجمع ضخم يضم مليار نجم تقريباً، وكان مرئياً على طول خط النظر المتجه نحو مركز المجرة؛ لكن نجوم التجمع كانت أبعد من أن تكون جزءاً من مجرتنا، وكان التجمع يتحرك في الاتجاه الخاطئ! وبدلاً من أن تسبح نجومه في مدارات مع بقية النجوم في القرص، كانت تخترقه في خط مائل وتبقى على رغم ذلك متماسكة في التجمع أمام ضغط الجاذبية الهائل في مجرة درب التبانة. وقد أدركنا أننا نرى مجرة صغيرة منفصلة تماماً عن مجرتنا وتسير مخترقة مستوى درب التبانة فتتمزق إرباً إرباً لدى سيرها. وقد أطلق العلماء على هذه المجرة الجديدة اسم (مجرة قزم القوس