"تيد مورجان" هو أول مواطن فرنسي يفوز بجائزة "بولتزر" ذائعة الصيت في الولايات المتحدة، ويعزو سبب دخوله إلى عالم الصحافة، كما يذكر ذلك في كتابه: "معركتي في الجزائر العاصمة"، والذي نعرضه هنا، إلى جملة كان قد قرأها للكاتب الفرنسي الشهير ألبير كامو تقول: "إن الصحفي هو مؤرخ عصره". لكنه في الوقت نفسه يرجع اعتناقه مهنة المتاعب أيضا إلى ميوله الشخصية وطبيعته الفضولية التي دفعته إلى أحضانها. وقصة مورجان غريبة إذ تمتزج فيها الهوايات المختلفة التي قادته في مرحلة ما من حياته إلى مصائر لم يكن يتوقعها. ولد مورجان في العاصمة الأميركية واشنطن لأبوين فرنسيين، ثم تنقل في دراسته الجامعية بين جامعة السوربون في باريس وجامعة "ييل" في نيويورك. وعندما تخرج ظل في الولايات المتحدة يعمل مراسلا لإحدى الصحف الأميركية إلى أن استدعي من وطنه الأم لأداء الخدمة العسكرية في الجزائر التي كانت حينها ترزح تحت نير الاحتلال الفرنسي. وكان الجيش الفرنسي يخوض معركة شرسة ضد المقاومة الجزائرية التواقة إلى الحرية والانعتاق. ولأن الكاتب الشاب الذي قضى قسطا كبيرا من حياته في الولايات المتحدة لم يكن ذا دراية بالحرب وأساليبها، توجه إلى إحدى المدارس العسكرية في فرنسا ليتخرج منها ملازما أول، ثم ابتعث رأسا إلى الريف الجزائري لمواجهة التمرد الذي بدأ يعصف بالقبضة الفرنسية على بلاد أرادتها فرنسا أن تكون جزءا لا يتجزأ منها في تحد سافر وعبثي لمنطق الجغرافيا والتاريخ.
وما أن حط المؤلف الشاب قدميه في الريف الجزائري، وهو عالم مختلف تماما عما ألفه في الولايات المتحدة، حتى باشر عمله كضابط صغير مسؤول عن النقل بين القرى والبلدات الجزائرية. وسرعان ما وجد الكاتب نفسه في أتون المعارك الشرسة التي خاضها رجال المقاومة ضد الجيش الفرنسي، وهي المعارك التي يحاول مورجان استحضارها في كتابه من خلال تجربته الشخصية. وفجأة تغير مجرى الحرب بالنسبة إليه عندما قتل قائد إحدى الكتائب ليتولى مكانه في العاصمة الجزائرية، حينها تولى عملية التصدي للمقاومة، مثل تفجير محطات الحافلات واستهداف أفراد الجالية الفرنسية. ومن خلال استحضاره لذكريات بعيدة في الزمن تبدو وكأنها حدثت في أزمنة بعيدة يشبه الكاتب الورطة الفرنسية في الجزائر بما يجري حاليا للقوات الأميركية في العراق. فالكاتب يركز على شكل من الحروب يختلف عما سبقه وظهر لأول مرة في الجزائر تحت إسم "الإرهاب الحضري" الذي استنزف الجيش الفرنسي وأدخله في دوامة تكاد لا تنتهي. يواصل الكاتب تطرقه للفظائع التي ارتكبها الطرفان، حيث انخرطت الأجهزة الأمنية الفرنسية في ممارسة أفظع أنواع التعذيب ضد المعتقلين لانتزاع المعلومات حول التنظيمات الجزائرية السرية التي كانت تقاتل الاستعمار الفرنسي. وفي هذا السياق يذكر الكاتب كيف أنه هو نفسه قتل معتقلا جزائريا رفض الاعتراف، كما يذكر كيف قتل العديد من أفراد المقاومة أثناء المعارك المختلفة. ورغم أن الكاتب لا يسعى إلى تبرير حرب فرنسا للحفاظ على الجزائر، إلا أنه يحاول وضع ما كان يجري من تنكيل وقتل في سياق الضغوط الكبيرة التي واجهها الجيش الفرنسي والبيئة العدائية التي وجد نفسه فيها. وهي البيئة التي كانت تدفع الكاتب ورفاقه في الجيش إلى تجاوز كل المبادئ الإنسانية التي تعلموها طيلة حياتهم، ويزعمون أنها جزء من رسالتهم الحضارية التي جاءوا من أجلها إلى الجزائر. ولأن الفظاعات كانت كثيرة والمجازر عديدة في حق الشعب الجزائري، فقد لجأ كبار الضباط إلى تبرير سلوكهم حيث يورد الكاتب قول أحدهم: "عندما يخوض الجيش حرب عصابات منهكة تنتفي كل المبادئ الإنسانية".
لكن الكاتب الذي ينحدر من أسرة فرنسية عريقة ويعرف شخصيات مهمة استطاع أن يغادر الميدان وينتقل إلى قسم الدعاية في الجيش الفرنسي بتوصية من أحد الجنرالات الذين التقى بهم صدفة. وعندما استقر في عمله الجديد في العاصمة الجزائرية مستفيدا من خبرته السابقة في الولايات المتحدة كصحفي بدأ يتسرب الشك إلى نفسه حيال قدرة فرنسا على تحقيق النصر في حرب يبدو أنها ستطول. وهنا يشير الكاتب إلى أن سياسة فرنسا القمعية في الجزائر ساهمت في تطويق المقاومة واغتيال العديد من رموزها حيث انتقلت من المدن الكبرى إلى القرى والبوادي. لكن ورغم انتصار فرنسا في الميدان، إلا أنها كانت تخسر المعركة سياسيا في الداخل، بسبب الأصوات الفرنسية المعارضة للحرب والمطالبة بمنح الاستقلال للجزائر.
ويسجل المؤلف في كتابه كيف تورط في مشكلة مع المخابرات الفرنسية عندما ساعد أحد الضباط على الهروب من الخدمة. ورغم التحقيق معه من قبل أفراد المخابرات، إلا أنه أخلي سبيله ليعود إلى وطنه عام 1961 بعد أربع سنوات قضاها في الجزائر. يعتقد المؤلف أن كتابه الذي يغرق في تفاصيل الأسماء والعمليات العسكرية التي نفذها على التراب الجزائري، يسهم في إلقاء الضوء على المصاعب التي تكابدها القوات الأميركية في العراق، وفي إدراك طبيعة الحرب التي تخوضها ضد المتمردين. وقد يكون صدور ال


