اليوم 25 مايو 2006، وهو اليوم الذي يصادف حلول الذكرى السابعة والثلاثين للانقلاب العسكري الذي قاده العقيد جعفر محمد نميري وحفنة صغيرة من العسكريين الشباب، كان العقيد أعلاهم رتبة عسكرية مما جعل السودانيين يطلقون عليه انقلاب الرواد. لم يكن انقلاب مايو في زمانه حدثاً فريداً في عالمنا الثالث آنذاك، وبالأخص في العالم العربي، فقد كان العصر عصر الانقلابات العسكرية التي تخطط لها الأحزاب السياسية العقائدية وتنفذها كوادرها العسكرية غالباً. لكن انقلاب مايو السوداني كان فريداً من عدة أوجه، فهو أولاً كان أول انقلاب عسكري يضم مجلس ثورته مدنياً ويعلن أنه نائب رئيس مجلس الثورة ورئيس الحكومة الثورية الأولى، ولم يكن ذلك المدني مدنياً عادياً، كان رئيس قضاة السودان، وبحكم المنصب كان رئيس المحكمة الدستورية العليا، حامية الدستور وراعيته! وهو ثانياً قد شكل مجلس وزرائه الأول من شخصيات مهنية وسياسية كانت معروفة للسودانيين تاريخياً باتجاهاتها اليسارية والقومية العربية، ما جعل القطاع الأوسع من الساحة السياسية السودانية يقف منه حذراً ومتخوفاً، إن لم نقل معادياً وبقوة. وهو ثالثاً قد بدا لعدد كبير من "الضباط الأحرار"، وكأنه مؤامرة دبرتها مجموعة من زملائهم أعضاء التنظيم للاستيلاء على السلطة من وراء ظهورهم! ومع ذلك، فإن الشاهد المعاصر لذلك التاريخ لا يستطيع أن ينكر أن القطاع المتقدم سياسياً في المدينة السودانية، قد استقبل "ثورة الضباط الشباب" بكثير من التفاؤل والأمل، في أن تحدث تغييراً وحركة إلى الأمام في الحياة السياسية السودانية ومياهها الراكدة. ومبعث الأمل والتفاؤل كان نابعاً ليس من رفض السودانيين للديمقراطية والحياة النيابية، ولكن لأن النظام الديمقراطي الليبرالي في سنوات عمره القصيرة التي سبقت انقلاب مايو، أصبح هو عدو نفسه الأول بما كانت تفيض به الصحف والمجالس وقاعة البرلمان من أخبار "خلافات الأحزاب" وتبادلها الاتهامات والشتائم غير الموضوعية، ومناورات كثير من قادتها ووزرائها السخيفة وقصيرة النظر والنفس. وذلك المسمار الأول الذي دقته بنفسها في نعش الديمقراطية الليبرالية عندما دفعها حسن عبدالله الترابي وجماعته لحل الحزب الشيوعي السوداني، بقرار من "البرلمان الديمقراطي". والحق يقال فإن تفاؤل المدينة وترحيبها بـ"الثورة"، قد ارتفع في أشهرها الأولى وبخاصة عندما أصدرت بيان يوليو الشهير بشأن جنوب البلاد وبشرت بعهد من الوئام والسلام والوحدة الوطنية. وكان ما كان... ووقعت في زمن مايو أحداث وتطورات وانقلابات، وسالت دماء خضبت ثرى بعض أرض السودان من "الجزيرة أبا" إلى القصر الجمهوري إلى بيت الضيافة، وارتفعت رايات من الاشتراكية إلى الإمامة والشريعة الإسلامية. وارتفع رجال ونساء إلى قمة السلطة في عهد مايو وسقطوا من قمتها إلى القاع، من بينهم كثير من الانتهازيين والمحتالين والنصابين السياسيين والماليين، من داخل السودان ومن خارجه. لكن كل ما حل يوم الخامس والعشرين من مايو، يلحّ على الذهن سؤال وبإلحاح شديد... تُرى ماذا بقي وسيبقى في تاريخ السودان من أثر لثورة مايو؟ ماذا يمكن أن يقول التاريخ اليوم وغداً عن رموز مايو وشخوصها الذين ملأوا مسرح الحياة السودانية ضجيجاً طوال أكثر من خمسة عشر عاماً؟ هل يكفي عندما نسترجع -كما ينبغي أن تفعل الأمم الناضجة- صفحات تاريخنا الوطني وكأنها أحجية يرويها الكبار للصغار قبل ساعة النوم، أم أن المطلوب عند استرجاع وإعادة قراءة التاريخ بكل ما يحفل به من قبح أو جمال أن نستخرج منه ما يفيد وينفع في إعادة تشكيل حاضرنا ومستقبلنا؟ وكانت مايو صفحة في تاريخ السودان شهد الناس في عهدها أموراً لم تكن مألوفة للسودانيين من حكامهم الأجانب والوطنيين، وهي التي افتتح في عهدها ما صار من بعد غذاءً يومياً يتجرعه السودانيون على مضض، من فساد سياسي وإداري ونهب للمال العام وظلم للبشر، ومع ذلك فهل نملك أن ننزع من التقويم السنوي يوم 25 مايو، لأننا نريد أن ننسى أنه كان في تاريخنا يوم هو يوم 25 مايو؟