أصبحت تيمور الشرقية التي كان العالم ينظر إليها على أنها تمثل قصة نجاح للأمم المتحدة التي قامت بدعم التدخل العسكري الاسترالي لإنقاذ الجزيرة الفقيرة من قبضة الجيش الإندونيسي، تعج اليوم بالفقر والاضطرابات المدنية. والاحتجاجات الأخيرة التي أجبرت ما يزيد عن 100 ألف شخص على الخروج من منازلهم، ليس لها علاقة هذه المرة بالجيش الإندونيسي الذي كان قد احتل الجزيرة لفترة تزيد عن 27 عاما، وإنما لها علاقة بالعصابات المتناحرة المكونة من شبان يائسين يساعدهم ويحرضهم أعضاء من جيش تيمور الشرقية، وقد قاموا بإحراق المنازل وهاجموا بعضهم بعضا بالسيوف. ولكن كيف حدث هذا؟ في عام 1999، وبعد سنوات من الإهمال الذي جعل من تيمور الشرقية أفقر دولة في آسيا، قامت الولايات المتحدة بإنشاء محمية دولية لتقديم الإرشاد لها حتى تمكنت في النهاية من تحقيق الاستقلال. ولكن هناك خطأين حدثا في ذلك الوقت وأديا إلى الاضطرابات الحالية. الخطأ الأول، هو ترك الكثيرين من الذين حاربوا من أجل الاستقلال عن إندونيسيا مشردين لا يجدون ما يفعلونه في تيمور الجديدة المحررة، رغم أنه من بين الدروس الرئيسية للمحافظة على السلام بعد الصراعات المسلحة ذلك الدرس الخاص بضرورة تفكيك صفوف ونزع أسلحة جيوش المتمردين المنتصرة، ثم القيام بعد ذلك بإعادة دمجها في المجتمع؛ أي تحويلها إلى جيش وقوات شرطة. في فبراير 2001، تم دمج أعضاء "فالينتيل"، الجناح العسكري لحركة استقلال تيمور الشرقية بصفة أولية في قوة دفاع "تيمور ليست" (FDTL) وإلى حد أقل في قوة شرطة "تيمور ليست" الوطنية (PNTL)، ولكن المشكلة أن هذه العملية لم تتم حتى نهايتها المرجوة مما أدى إلى نتيجتين سلبيتين. الأولى، أن نسبة البطالة قد ارتفعت إلى عنان السماء، لأن عدد مقاتلي "فالينتيل" الذين حاربوا من أجل الاستقلال كان أكثر من طاقة الجيش والشرطة على الاستيعاب، وهو ما أدى إلى انضمام الكثيرين منهم إلى منظمات قدامى المحاربين، للتعبير عن سخطهم واستيائهم من الحكومة. أما النتيجة الثانية فهي أنه رغم إصرار الدول المانحة (استراليا والولايات المتحدة بالذات) على ضرورة بقاء قوات الأمن والجيش بعيدا عن السياسة، ورغم شكوى تلك القوات من ضعف الرواتب وعدم وجود عمل حقيقي تقوم به، فإن العسكريين التيموريين دأبوا على انتقاد سياسات رئيس الوزراء "مرعي الكثيري" التي تقوم على المحسوبية والفساد. وخلال التظاهرات التي اندلعت احتجاجا على القانون المثير للجدل الخاص بمنع المدارس الدينية من العمل في البلاد، تطايرت إشاعات مؤداها أن هناك انقلابا يتم الإعداد له ضد الحكومة، وخصوصا بعد الرد العنيف من قبل جهاز الشرطة على تلك التظاهرات، وهو جهاز معروف بسوء سمعته وتجاوزاته التي شملت ممارسة التعذيب، والتنكيل بالمواطنين وحبسهم بدون تهم، علاوة على علاقاته الوثيقة مع حكومة الكثيري التي تواجه سخطاً شعبياً كما أسلفنا القول. ومما فاقم من الأوضاع أن الأمم المتحدة، وبسبب لا مبالاتها تجاه الحكومة المستقلة التي تم تنصيبها عام 2002، ظلت ساكتة عن التسييس المتزايد لقوات الأمن. ففي شهر فبراير الماضي على سبيل المثال، تقدم ما يزيد عن ربع قوات الأمن باستقالتهم، احتجاجا على الاتهامات التي وجهت إلى قادتهم باتباع أساليب المحسوبية، وإيثار الأقارب بالوظائف وعدم العدالة في منح الترقيات. وقامت الحكومة بفصل 600 جندي من وظائفهم بسبب الفرار من الخدمة، كما قام الكثيري بإطلاق الشرطة ضد الجيش مما أدى إلى تلك الصراعات التي اندلعت بين الجيش والشرطة خلال الشهر الماضي. وفي الوقت نفسه فشلت الأمم المتحدة في إنهاض الاقتصاد الهش لتيمور الشرقية على قدميه، حيث ذهب ما يزيد عن نصف المساعدات المقدمة خلال فترة إشراف الأمم المتحدة على الجزيرة لدفع رواتب الموظفين وأتعاب الخبراء والمستشارين الأجانب، كما أن تدفق المساعدات الدولية أدى إلى خلق ما يعرف باقتصاد الفقاعة في الجزيرة. وقد استمر هذا التعافي الاقتصادي طيلة الفترة التي ظلت فيها الأمم المتحدة في الجزيرة، ثم انفجرت الفقاعة عقب خروجها وعادت الأمور إلى ما كانت عليه من قبل حيث يعيش 63% على ما يقل عن دولارين في اليوم، وتبلغ نسبة البطالة 50%. وكانت تلك الانتكاسة الاقتصادية مصحوبة بتفشي جرائم الشوارع وانتشار عصابات العنف والبلطجة، وعندما تفاقم التوتر بين قوات الجيش والشرطة، ووصل إلى مرحلة الصدام منذ عدة أسابيع، وجدت العصابات المسلحة أن ذلك يشكل فرصة ذهبية لها لتصفي حساباتها ،وإرهاب هؤلاء الذين بقوا على الحياد. ولأن تيمور الشرقية ظلت مقسمة بين هؤلاء الذين يؤيدون الاستقلال وهؤلاء الذين يرفضونه، فإنه كان هناك دائما تبرير جاهز تقدمه تلك الجماعات لنشر الأعمال المثيرة للشغب. إن الأمم المتحدة قد تكون مسؤولة بقدر ما عن الفوضى المنتشرة في تيمور الشرقية، ولكن الأمر الذي لا شك فيه هو أنها تمثل جزءا من الحل. وهناك دلائل على أن تيمور الشرقية يمكن أن تخرج من أزمتها، ومنها قرار استراليا بنشر 1300 جندي في الجزيرة، ومنها أيضاً تلك الخطوة الصائبة التي أقدم عليها زانانا جيسماو رئيس تيمور الشرقية الذي يحظى بشعبية جارفة، عندما قام بفصل الوزيرين المسؤولين عن الشرطة والجيش، وتولى الإشراف بنفسه على مهامهما. ولكن يتبقى للأمم المتحدة مع ذلك دور مهم في إكمال المهمة من خلال إعادة إدماج "فالينتيل" في المجتمع، وإعادة بناء الاقتصاد على أساس راسخ. وإذا ما مضت تلك المهمة بدون التزام طويل الأمد من الأمم المتحدة، فإن مستقبل تيمور الشرقية سيظل قاتما ومغلفاً بالغموض. ـــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"