تتعقد القضية الفلسطينية سياسياً يوماً بعد يوم! والوضع الداخلي يزداد سوءاً على الصعيدين السياسي/ الأمني والاقتصادي/ المعيشي. وقد شكلت زيارة إيهود أولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي، إلى واشنطن، علاوة على صدور قرار مجلس النواب الأميركي في 24/5/2006 (الذي صوتت عليه أغلبية 361 صوتاً ولم يعارضه سوى 37 صوتاً والخاص بمنع المساعدات المالية عن الحكومة الفلسطينية ومنع دخول أي مسؤول حكومي إلى الولايات المتحدة) شكل أيضاً قمة التأزم في العلاقات بين الحكومة الحمساوية الفلسطينية والولايات المتحدة. ولم تشهد الساحة السياسية الفلسطينية انشقاقاً سياسياً وعسكرياً بين الفصائل السياسية كما الآن. فالضفة الغربية، وقطاع غزة –للأسف الشديد- يشهدان حالياً "نوعاً" من "الحرب الأهلية غير معلنة" بين الفصائل الفلسطينية المختلفة ليس بالسلاح فقط، وإنما أحياناً بالمشاعر وتضارب المواقف وخاصة بعد إعلان "وثيقة الأسرى" في بداية شهر مايو الفائت وما أثارته من زوابع بين مؤيد لها ومعارض. كما أن قرار الرئيس محمود عباس إجراء استفتاء حول "الوثيقة" أسهم، بما واكبه من ردود فعل فصائلية، في ازدياد رقعة الخلاف بين الفصائل إلى درجة لا تحمد عقباها. كذلك، تفاقمت المعاناة اليومية للفلسطينيين، وباتت الأحوال الاقتصادية شبه منهارة، وأصبح الهم الوحيد للفلسطيني الآن هو توفير الحد الأدنى اللازم لعائلته معيشة وأمناً، مع استمرار الوضع الداخلي الفلسطيني في التأزم بسبب قضية الرواتب التي تسعى السلطة والحكومة جاهدتين –ولو بطرائق متباينة- لإيجاد حل لها. يعود الوضع الاقتصادي والمالي الصعب الذي يمر به الشعب الفلسطيني في الوقت الراهن، في جانب أساسي منه، إلى منع حركة البضائع من وإلى الأراضي الفلسطينية مما ينعكس سلباً على عملية الاستيراد والتصدير والحد من حركة المواطنين من خلال مئات الحواجز الثابتة والمتحركة، بالإضافة إلى افتعال المشاكل إسرائيلياً على المعابر ومع كل ما ينجم عنها من تعقيدات. وقد تردى الحال على ضوء تقليص، أو قطع، أو تجميد المساعدات الدولية، أو لأن النظام المصرفي القائم في الضفة والقطاع (الفلسطيني والأردني) لا يستطيع توصيل الأموال خوفاً من العقوبات الأميركية. ومن الثابت أن استمرار هذه السياسات سيدفع الشعب الفلسطيني إلى وضع غير محتمل تسوده المجاعة بعد ارتفاع نسبة الفقر والبطالة وتدهور الوضع الأمني وغير ذلك من التبعات السلبية الخطيرة. وفي هذا النطاق، يقول تقرير لمنظمة العمل الدولية إن 50% من الرجال فقط (وواحدة من كل تسع نساء) ممن هم في سن العمل لديهم وظائف. وقالت هذه المنظمة، التابعة للأمم المتحدة، في تقرير حديث لها إنه على الرغم من التحسن الطفيف في الاقتصاد عموماً في العام 2005 (بعد ركود حاد في العام الذي سبقه) يتفاقم الفقر والبطالة في غزة والضفة بشكل خطير. ويتابع التقرير أن أكثر من أربعة، من كل عشرة فلسطينيين، في المناطق الخاضعة للاحتلال العسكري الإسرائيلي يعيشون دون "المنسوب الدولي" للفقر وهو ما يزيد قليلاً عن الدولارين (2,40 دولار) يومياً. وكانت المعونات الدولية قد قطعت منذ تولت حركة "حماس" السلطة في الانتخابات التشريعية في شهر يناير الماضي. وقد حذر الدكتور سلام فياض، وزير المالية السابق، من أن استمرار حالة الحصار الاقتصادي على الفلسطينيين حتى نهاية العام الحالي سيرفع نسبة البطالة والفقر إلى مستويات خطيرة وأعلى من تلك السائدة حالياً وأن استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية على السلطة والحكومة الفلسطينية التي شكلتها حركة "حماس" قد يؤدي في النهاية إلى انفجار كبير. وبدورها، رفضت "حماس" الضغوط الغربية والعربية لتغيير موقفها والاعتراف بالدولة العبرية رغم المصاعب التي تلقاها السلطة الفلسطينية وتكاد تؤدي إلى انهيارها. على صعيد مختلف، تقول الأرقام إن مجموع المساعدات التي تلقتها السلطة الفلسطينية من المانحين خلال عام 2005 قد بلغ نحو 1.3 بليون دولار منها 350 مليون دولار لدعم الميزانية، و500 مليون دولار كمساعدات إنشائية و450 مليون دولار لبرامج التنمية المختلفة. واستمر تدفق هذه المساعدات على السلطة خلال الربع الأول من عام 2006 ولكنها عادت فتوقفت بالكامل بعد إعلان "حماس" لحكومتها. وتشكل الرواتب البند الأكبر في الميزانية إذ تكلف الخزينة حوالى 1.2 بليون دولار (أي حوالى 60% من الميزانية) وما يعادل 118 مليون دولار شهرياً لدفع رواتب 172 ألف موظف منهم نحو 70 ألفاً من قوات الأمن. ومن جانب آخر، يزيد معدل البطالة في المجموعة العمرية (15-24) عاماً عن المتوسط في المناطق الفلسطينية بنسبة 1.6 مرة. بالإضافة إلى ذلك، فإن نحو 23% من العمال لديهم وظائف في القطاع العام الذي تضرر بشدة من قطع المعونات والذي يحول دون وفاء السلطة الفلسطينية بالتزاماتها الخاصة بالأجور كاملة. كما أن تنقل الناس والسلع والخدمات عبر حدود المناطق الفلسطينية أصبح أكثر صعوبة في النصف الثاني من عام 2005 وأوائل عام 2006 على الرغم من الانسحاب العسكري الإسرائيلي من قطاع غزة. لقد مضت أربعة أشهر حتى الآن دون أن يتسلم والموظفون الفلسطينيون رواتبهم. ولنا أن نتخيل معاناتهم في توفير الحاجات الأساسية اليومية لأسرهم من مأكل وملبس ودواء لاسيما وأن معظمهم ينحدر من أسر فقيرة أو شبه فقيرة تعيش ظروفاً صعبة تجعل من توفير لقمة العيش أغلى أمانيها. وهذه ليست المرة الأولى التي يتعذر فيها على حكومة فلسطينية صرف رواتب الموظفين، بل تكرر المشهد مراراً مع حكومات سابقة وإن اختلفت الأسباب الموجبة لذلك من حالة إلى أخرى. ودائماً كان الهدف من وراء ذلك واحدا وهو تركيع الشعب الفلسطيني وإذلاله للنيل من حقوقه الوطنية الثابتة. وما يعانيه الاقتصاد الفلسطيني من ضعف وهشاشة هو نتيجة تبعيته للاقتصاد الإسرائيلي، الأمر الذي يجعل مصير السلطة الفلسطينية ومعها الشعب الفلسطيني رهينة بأيدي المساعدات الأجنبية، الأميركية منها والأوروبية، علاوة على تضييق من حرية القرار السياسي الفلسطيني: فإما الاعتراف بالكيان الإسرائيلي (لا أحد يعرف ضمن أية حدود) مع وقف المقاومة وإلقاء السلاح، أو التجويع. وحينما حاولت الحكومة الفلسطينية، المنتخبة ديمقراطياً، التمرد على هذه الإملاءات، جندت الولايات المتحدة وإسرائيل كل حلفائهما عبر العالم لمحاصرة ومعاقبة الحكومة، بل ومعاقبة الشعب الفلسطيني. وجوهر القرار الأوروبي الأخير، المعزز من "اللجنة الرباعية"، بتقديم مساعدات مشروطة (تستثني رواتب الموظفين) إنما هو قرار ناقص. فهل يجد النظام السياسي الفلسطيني/ ذو الرأسين، مخرجاً ذاتياً أو مخرجاً أوسع عبر التعاون مع النظام الرسمي العربي... والدولي... أم ينفجر الواقع المتفاقم؟!!