مازالت مستمرة إلى غاية اليوم أكبر عملية لنقل السلاح تعرفها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، يتم بموجبها تحويل الأسلحة المتبقية من الحرب البوسنية إلى مناطق أخرى للنزاع، سواء في الشرق الأوسط أو غيره، وذلك رغم قرار حظر بيع السلاح البوسني، أو نقله إلى خارج البلاد. وفي الوقت الذي اختتم فيه مؤتمر حول الأسلحة الصغيرة نظمته الأمم المتحدة في الأسبوع الماضي لم يخرج المشاركون بأية توصية، أو وثيقة ختامية حتى بعد مراجعتهم لبرنامج العمل الذي وضعته الأمم المتحدة بغرض الحد من التجارة غير الشرعية للأسلحة. وفي هذا السياق أكد "براساد كارياواسام"، رئيس المؤتمر، خلال لقائه مع الصحافيين أنه "من بين 49 نزاعاً رئيسياً شهده العالم خلال فترة التسعينيات، اعتمدت 47 منها على الأسلحة الخفيفة، وقد زاد من تفاقم تلك النزاعات سهولة الحصول على الأسلحة عبر قنوات غير شرعية". وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ربع التجارة العالمية من الأسلحة التي تصل قيمتها السنوية أربعة مليارات دولار تتم خارج نطاق القانون. ولا يقتصر قلق الخبراء على تجارة الأسلحة غير القانونية، بل يمتد قلقهم إلى التجارة الشرعية، لاسيما قبل تطبيق الحظر على نقل الأسلحة البوسنية. وقد زاد من حدة تلك المخاوف التقرير الذي أصدرته منظمة العفو الدولية في شهر مايو الماضي وذكرت فيه بشكل مفصل كيف اختفت شحنة من السلاح كانت موجهة من البوسنة إلى العراق سنة 2004 تضم كمية ضخمة من الأسلحة، وسط شبكة معقدة ومتشابكة من المتعاقدين. وإلى حد الآن مازالت الحكومتان البوسنية والأميركية تناقشان تحويل شحنة من السلاح البوسني ذي الطراز السوفييتي إلى أفغانستان. وهي الخطوة التي تواجه تحفظاً من قبل الخبراء في الأمم المتحدة إذ يفضلون تدمير فائض الأسلحة البوسنية على تصديرها إلى جهات خارجية في أفق إنهاء عملية تدفق السلاح من دول أوروبا الشرقية إلى بؤر التوتر في العالم بعدما عرفت انتعاشاً كبيراً عقب انتهاء الحرب الباردة. وإلى وقت قريب قبل الصيف الماضي عندما طبق الحظر على بيع الأسلحة البوسنية، أو نقلها إلى جهات أجنبية تم تصدير ما لا يقل عن 290 ألف قطعة من الأسلحة الخفيفة، فضلاً عن 64 مليوناً من الذخيرة إلى الخارج، وبخاصة إلى العراق حسب ما أوردته قوات حفظ السلام الأممية. وقد فسر "جو كاربنتر" المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية الرواج الذي تلاقيه الأسلحة البوسنية إلى "الألفة التي تجدها القوات الأفغانية والعراقية مع الأسلحة السوفييتية، فهي أولا تناسب تلك القوات، كما أنها سهلة الاستعمال وصيانتها لا تتطلب الكثير. لذا تعتبر أساسية في إعادة بناء تلك القوات". ويضيف المتحدث باسم البنتاجون قائلاً: "والنتيجة أننا نلجأ إلى الدول التي تملك تلك النوعية من الأسلحة لتزويد القوات العراقية والأفغانية بما تحتاجه من عتاد عسكري من أجل الوقوف على أرجلها والتمكن من النهوض بمهامها". غير أن التقرير الذي أعدته منظمة العفو الدولية كشف النقاب عن اختفاء شحنة من السلاح البوسني تكلفت وزارة الدفاع الأميركية بنقلها إلى العراق وسط متاهة من الشركات المتعاقدة. ويذكر أن هذه الشحنة من الأسلحة البوسنية كانت تضم أكثر من 99 طناً من قطع السلاح الخفيفة الموجهة إلى الجيش العراقي. وحسب التقرير قامت وزارة الدفاع الأميركية بالتعاقد مع شركة "تاوس" التي تتخذ من ولاية ألاباما بالولايات المتحدة مقراً لها لكي تتعاقد بدورها مع شركة بلجيكية. وهذه الأخيرة تعاقدت هي الأخرى مع شركة في "ملدوفا" تحت اسم "إيروكوم". والمشكلة أن الشركة المولدافية لم تتمكن أبداً من شحن الأسلحة إلى العراق لفقدانها قبل يوم واحد من الشحن رخصتها الجوية بسبب المخاوف الأمنية التي أبدتها الدول الأوروبية. ووفقاً لتقرير منظمة العفو الدولية ترتبط شركة "إيروكوم" بعلاقات مشبوهة مع تاجر السلاح المعروف "فيكتور بوت" الذي تدرجه الأمم المتحدة وأميركا ضمن القائمة السوداء لتجار السلاح المسؤولين عن تزويد بعض بؤر الصراع الإفريقية بالسلاح. ورغم محاولة المنظمة الدولية تعقب شحنة السلاح المفقودة، حيث رصدت مغادرة أربع رحلات جوية تراقبها الولايات المتحدة من الأراضي البوسنية إلى العراق، إلا أنها لم تجد ما يدل على وصول تلك الأسلحة إلى القوات العراقية. ولا يعرف في أيدي من وقعت شحنة الأسلحة تلك: هل هي لدى الشركات المتعاقدة، أم المتمردين في العراق، أم أنها غيَّرت وجهتها لتنتهي في إفريقيا. ومع ذلك يؤكد التقرير أن وزارة الدفاع البوسنية مازالت تدرس طريقة التخلص من فائض الأسلحة الموجود في مستودعاتها، خاصة بعد فرض الحظر على بيعه. وفي ظل هذا الواقع تشير الوزارة أنه لم يبقَ أمامها سوى خيارين، إما تدمير السلاح، أو التبرع به إلى جهات خارجية. وبعد أيام قليلة فقط من تسلم قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأوروبي مهامها من قوات "الناتو" التي كانت تقودها الولايات المتحدة أواخر 2004، ألغت الحكومة البوسنية اتفاقاً كانت قد أبرمته مع القيادة الأميركية للناتو في البوسنة يقضي بشحن كمية من الأسلحة الخفيفة إلى العراق. وقد رفضت السفارة الأميركية في سراييفو التعليق على الموضوع مكتفية فقط بالإشارة إلى الطابع القانوني لعمليات الشحن "مادامت لا تتعارض مع القانون البوسني". ـــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"