بدأت قضية النشر الإلكتروني تقلق بال الكثيرين من الكتاب والأكاديميين في الوطن العربي جنبا إلى جنب مع المهنيين في الصحافة العربية التي استسلمت لفكرة أن المستقبل يستلزم أدوات خاصة للتصريح بدخوله من أبواب واسعة، ومن هذه الأدوات الصحافة الإلكترونية بشكلها الواعي ومضمونها المثمر على الدوام.
قلم الدكتور حسني محمد نصر حَكَّ سطح الفكرة من إنتاج صحافة حديثة تدخل عصر الإلكترون برؤية ثاقبة لأهمية الموضوع بعيداً عن صيحات التقليد التي عادة ما تنسل من بئر خاوية لتلوث الأفكار الجادة.
يرى الدكتور حسني نصر في كتابه، المعنون: (الإنترنت والإعلام.. الصحافة الإلكترونية)، أن الصحافة الإلكترونية تتميز حالياً بإمكانية توزيعها على مدى الأربع والعشرين ساعة بينما ينتظر القارئ يوما كاملاً للحصول على العدد الجديد من الصحيفة الورقية اليومية.
وهو بهذه الرؤية، المراقبة لأغلب المواقع الصحفية الإلكترونية في العالم، يضع يده على السبب الرئيسي لنجاح فكرة البث الإلكتروني للصحف والمجلات، وبناء على ذلك يتكئ المؤلف على مسألة مهمة في التقييم الموضوعي للنشر الإلكتروني في حديثه عبر فصول الكتاب عن المنافسة بين الكم الكبير من الصحف الإلكترونية التي غدت تنتشر بسرعة في وطننا العربي كما هو الحال في العالم كله، والمسألة هي التحديث والتطوير وتقليل الكلفة في النشر والتوزيع ومراعاة التنوع والمصداقية خاصة في المواقع الإخبارية الكبرى على الإنترنت.
مؤلف الكتاب لا يُسيِّل حبره في كتاب أكاديمي فحسب، بل يضعنا أمام تجربة ضرورية للتقييم والاقتراب أكثر من عدسة المجهر كي نتبين ما طرأ على فكرة كان تحقيقها حلماً في الماضي القريب فغدت بين ليلة وضحاها حقيقة، وأصبحت سهلة المنال لمن طلبها، ومصدر قلق دائم لمن قصد من خلالها معماراً إعلامياً يزهو بالزخارف المهنية التي تزين علاقة القارئ بالإعلام.
الكتاب في أبواب سبعة تشمل الفكرة بشيء من التمحيص بالأوليات التي من شأنها صنع الخطوة الأولى على طريق مشروع إعلامي ضخم وسلس لمَّا يكتمل بعد بسبب التشكيك بأهمية النشر الإلكتروني وقدرته على منافسة الصحيفة الورقية التقليدية. والمؤلف يضع أبواب كتابه في عناوين رئيسية ملفتة، جاهداً لأن تلم بأطراف الفكرة العامة التي يلخصها قول المؤلف: لاحظ عدد من الباحثين وجود قصور كبير في فهم بعض المؤسسات الصحفية العربية لدور الصحيفة الإلكترونية وأن بعض الصحف العربية دخلت إلى الشبكة مدفوعة باعتبارات غير إعلامية ولمجرد تحقيق التواجد على الشبكة دون هدف محدد، ويتضح هذا في الفقر التقني الذي تعاني منه بعض هذه المواقع ومحدودية المضامين المعروضة في الموقع وعدم تحديثه بصورة يومية أو دورية، بالإضافة إلى إهمال بعض الصحف الإلكترونية العربية الإمكانيات التفاعلية التي تتيحها الشبكة واستخدام الحد الأدنى من التقنيات المتوافرة في هذا المجال.
يرتبط ما سبق بما يمكن أن نسميه غياب استراتيجية واضحة المعالم لدى الصحف العربية التي أنشأت لها مواقع على الإنترنت. فعلى رغم الأموال التي تنفقها على هذه المواقع فإن عدداً قليلاً منها لديه رؤية استراتيجية في التواجد في الفضاء الإلكتروني. ولا شك أن غالبية الصحف العربية التي أنشأت مواقع على (الويب) لا تعلم على وجه التحديد حجم ما تستثمره من أموال في هذه المواقع وما إذا كانت تحقق خسائر أم أرباحاً منها. وليس لدى غالبية هذه الصحف وسائل أو آليات لمتابعة مستخدمي المواقع.
يلخص الكاتب عوامل القصور التي تعاني منها أغلب المواقع الإلكترونية العربية في النقاط التالية:
- استخدام معظم المواقع صوراً للنصوص وليس نصوصاً عربية.
- غياب أدوات بحث عربية حتى في المواقع التي تستخدم النص العربي.
- عدم إمكانية نسخ النصوص من غالبية مواقع الصحف العربية بسبب استخدامها صور النصوص(GIF) أو الوثائق المحمولة ( PDF) والتي لا تتيح إمكانية البحث والنسخ واللصق والاستعراض السريع لصفحات الموقع.
- غياب بعض الخدمات الأساسية مثل نماذج الاشتراك في الصحيفة الورقية وأسعار الإعلانات ونماذج حجز المساحة الدعائية.
- عدم نشر إعلانات تجارية حتى عن أنشطة المؤسسة الصحفية التي تصدرها.
- الغياب شبه الكامل في غالبية مواقع الصحف العربية لخدمة الأرشيف التي تتيح النفاذ إلى محتويات الموقع ومحتويات الصحيفة المطبوعة والعثور على معلومات وأخبار وتقارير سبق نشرها.
- غياب بعض الأبواب المهمة الموجودة في الصحيفة الورقية مثل أبواب التسلية والإعلانات المبوبة.
ويرجع الكاتب تاريخ نشوء الصحافة الإلكترونية العربية إلى عام 1996 حيث سارعت بعض الصحف العربية إلى إنشاء مواقع لها على الشبكة خصصتها في البداية للدعاية لها ثم حولتها بفعل تطور الصحافة الإلكترونية عالميا ً إلى مواقع صحفية تضع عليها بعض مادتها الورقية. ولم تصل الصحف الإلكترونية العربية - برأي المؤلف - إلى مرحلة الانفصال التام عن نظيرتها الورقية مثلما حدث مع بعض الصحف الأميركية. فالصحف الإلكترونية العربية لا ز