بعد أزيد من ثلاث سنوات على تدشين الولايات المتحدة لأكبر عملية إعادة إعمار منذ "مخطط مارشال"، قال رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي خلال الكلمة التي ألقاها أمام الكونغرس الشهر الماضي "من الضروري الشروع في إعادة الإعمار اليوم!". الواقع أنه يجوز للأميركيين أن يتساءلوا "عفوا؟" ألم ينفق دافعو الضرائب الأميركيون أزيد من 30 مليار دولار في مسعى لتحويل العراق إلى ديمقراطية مزدهرة؟ ألم يكن من المفترض أن تغطي أموال النفط العراقي مشاريع إعادة الإعمار الآن؟ ماذا حدث؟ الحقيقة أنه بالرغم من أن الولايات المتحدة أنفقت أموالا أكبر من تلك التي أنفقتها في ألمانيا أو اليابان طيلة الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، فإنها فشلت في إحلال السلام أو النهوض بالاقتصاد. فحسب أحدث أرقام لوزارة الخارجية الأميركية، ما زال العراق ينتج النفط بكميات أقل مما كان ينتج في عهد صدام حسين. كما أن توليد الكهرباء ما زال قريباً من المستويات التي كانت مسجلة في فترة ما قبل الحرب، والكثير من العراقيين– بمن فيهم سكان بغداد- يعيشون ظروفاً أسوأ من تلك التي كانوا يعيشونها في عهد صدام حسين. ذلك أن عدداً من المصحات والمستشفيات لم يكتمل بعد، ومياه الصرف الصحي ما زالت تصب مباشرة في نهر دجلة، وقوات الشرطة التي دربها الأميركيون حافلة بفرق الموت. ثم هناك بطبيعة الحال أعمال العنف اليومية التي يقف وراءها السُنة والشيعة، الذين كان يفترض أن يكونوا اليوم موظفين في مشاريع من تمويل الولايات المتحدة. لقد أعلن الرئيس بوش مفتخراً ذات يوم أن الهدف في العراق هو بناء "أفضل" بنية تحتية في المنطقة. غير أن المسؤولين الأميركيين باتوا يقولون اليوم إن الهدف هو "إعطاء انطلاقة" للاقتصاد. أما أسباب الفشل، فلا تخفى على أحد. ذلك أن عددا قليلاً من الجنود يعني أن الولايات المتحدة لا تستطيع توفير الأمن الضروري. والفرق الكبير بين يابان وألمانيا ما بعد الحرب وعراق ما بعد الحرب هو كلمة "بعد". فبالرغم من إعلان بوش في وقت سابق عن انتهاء "المعارك الكبرى"، إلا أن الحرب في العراق لم تنته في واقع الأمر. وعلاوة على ذلك، فقد حكم استمرار أعمال العنف على استراتيجية إعادة الإعمار التي وضعها "البنتاغون" بالفشل، والتي كانت تقضي بمنح عقود مشاريع إعادة الإعمار للشركات متعددة الجنسيات الكبرى، ومعظمها أميركية، حيث أثبت العراق أنه لا يمكن للشركات العمل وسط منطقة حرب. فقد اضطرت شركات مثل "بيكتيل" و"فليور" و"بارسونز" إلى توظيف أعداد ضخمة من قوات الأمن الخاصة التي امتصت قرابة ربع الميزانية المرصودة لإعادة الإعمار في العراق. كما أن المهندسين كانوا يقضون أسابيع عالقين بمكاتبهم في "المنطقة الخضراء"، وهو ما كان يكلف نحو 4 ملايين دولار يومياً. وإضافة إلى ذلك، تسبب تخريب أنابيب النفط في خفض الإنتاج بنحو الثلث، مكلفا مليارات الدولارات التي كان بالإمكان أن تساعد على تمويل بناء مدارس ومحطات لمعالجة المياه. إلى ذلك، ضمن القرار القاضي بالاعتماد على القطاع الخاص في تحقيق أهداف السياسة الأميركية، صراع المصالح، وهو ما أدى بدوره إلى التأثير سلباً على جهود إعادة الإعمار. فلئن كانت البلدان تهتم بتحقيق أهداف سياسة، فإن الشركات تهتم بتحقيق الأرباح، ذلك أنه إذا طلب من جندي مثلا أن يقفز، لكان جوابه "بأي علو"؛ أما رد المقاول فسيكون "كم ستدفع لي؟". كما أن المقاول قد يستعمل آلة لجمع النفايات حتى تكون الكلفة منخفضة، أما المخططون لإعادة الإعمار فسيؤثرون توظيف أكبر عدد ممكن من السكان المحليين للقيام بالمهمة يدوياً وببطء. وفضلاً عن ذلك، يبدو أن الجميع كان منشغلاً، فالبرغم من أن بوش، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ووزيرة الخارجية كندوليزا رايس كانوا مسؤولين عن التطورات العسكرية والسياسية، فإن مشاريع إعادة الإعمار كانت تتنقل بين الوزارات والإدارات الأميركية التي يديرها البيروقراطيون. لقد ساهمت الإدارة السيئة والضياع والفساد في تقويض حظوظ نجاح تجربة إعادة الإعمار في العراق. فلم تستطع حكومة الاحتلال الأميركي تفسير مصير نحو 9 مليارات دولار التي ذهبت للوزارات العراقية. كما عُهد بـ82 مليون دولار إلى مجرم أميركي مدان، فضاع معظم المبلغ. والواقع أن المبالغ التي رصدت من قبل بدأت تنفد. أما الأموال الجديدة فهي مرصودة لتدريب القوات العراقية وتجهيزها. لقد لقي طلب المالكي للكونغرس برصد المزيد من الأموال لإعادة الإعمار تصفيقات من باب الاحترام، والحال أن الخزائن فارغة. كما أنه في ضوء خيبة الأمل التي أصيب بها الكونغرس وحقيقة أن الانتخابات باتت على الأبواب، تبدو الولايات المتحدة مستعدة للتخلي عن المشروع. والحال أن ذلك سيمثل خطأ كبيرا وفادحا، فالمالكي محق، وعلينا أن نضخ المزيد من المال في جهود إعادة الإعمار. وتأمل الولايات المتحدة أن تساهم أوروبا والدول العربية في توفير الـ50 مليار دولار إضافية لاستكمال مشاريع إعادة الإعمار. والواقع أنه على حلفائنا دفع ما تعهدوا به من أموال في 2003، ولا سيما أن "ستيوارت باون"، المفتش العام لإعادة الإعمار في العراق، يقدر أن البلاد ستحتاج نحو مليار دولار يومياً من أجل صيانة ما بنته الولايات المتحدة. والجدير بالذكر أنه في غياب هذا المال، فإن محطات الكهرباء ومعالجة المياه التي بنتها الولايات المتحدة ستنهار ببطء. اللافت أن التراجع عن إعادة الإعمار يحدث في الوقت الذي يبدو فيه أن الولايات المتحدة أدركت كيفية القيام بذلك على نحو أفضل، حيث بدأ المسؤولون الأميركيون يتعاقدون مباشرة مع الشركات العراقية، التي أثبتت حتى الآن أنها قادرة على أداء مهامها على نحو أرخص وأسرع مقارنة مع الشركات الأميركية. كما أن وزارة الخارجية بدأت في تشكيل فرق إعادة الإعمار في جميع أقاليم العراق، وإن بوتيرة بطيئة، من أجل تحسين اتصالاتها بالأعيان المحليين ووضع المزيد من صنع القرار بين أيدي العراقيين. الواقع أن هذه التطورات الأخيرة لا تضمن أن إعادة البناء ستتم بدون ضياع وفساد وشطط. غير أن الإعراض عن تخصيص المزيد من المال لأداء هذه المهام إنما يمثل حكماً عليها بالفشل. ـــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"