هل وجود "المثقف الحر" حالة مستحيلة لا يمكن تحققها على أرض الواقع؟ هل كون المثقف, في المطاف الأخير, كائناً بشرياً هو الآخر مثله مثل بقية الناس يواجه خيارات دائمة متعلقة بمعيشته, والضغوط التي يواجهها في حياته, وما هو معروف وممل مما يفرض نفسه على أجندة أي فرد؟ هل ذلك كله يحبط قبل كل شيء آخر أمثولة "الحرية المطلقة" التي يرنو للوصول إليها أي مثقف معني بصوغ الرأي وصناعة الأفكار؟ يوماً ما قال "ريجيس دوبريه": ليس هناك مثقف حُر بالتعريف, وعزا ذلك إلى أن المثقف هو ابن مجتمعه وبيئته في المبتدأ والمنتهى وأنه لا يعيش في فراغ. ويوماً ما قال لي اختلفت مع صديق أحترمه جهد أن يقنعني بأنني في حال عملت مع مؤسسة ما فإنني أستقيل من صفتي كمثقف وأتحول إلى موظف يسمع ويطيع, وهكذا فعليَّ أن أكف عن نقد المؤسسة التي أعمل بها, حتى لو كان نقداً إيجابياً! المثقف قد يكون مرتبطاً بجامعة تمنحه, صورياً على الأقل, حق التفكير والإبداع الأكاديمي المطلق, وقد يكون مرتبطاً بصحيفة أو جهة إعلامية لها سقفها المعلن, أو بمؤسسة ثقافية أو فكرية أو حتى اقتصادية لها حدودها وأهدافها التي تضع على إنتاج من هو مرتبط بها اشتراطات وقيوداً. وهو قد يكون مستقلاً مالياً ووظيفياً, لكنه يعيش بالطبع في بيئة لا تسمح له بالتحلل من إدراكاتها للأشياء, ومنظومة قيمها الحاكمة, وطريقة تقدير وتصنيف القضايا والأمور والأشخاص. كل الناس يقعون أسرى لشبكات من القيود الضاغطة وهي سمة طبيعية من سمات الاجتماع والتاريخ, لكنَّ مقدار القبول والاستسلام لتلك الشبكات من قبل الأفراد, ومقدار تحديهم لها وطرح بدائل أكثر نجاعة عنها, هو ما يميز المثقف عن غيره. وفي كل الأحوال والمجتمعات والظروف هناك هوامش رغم الضغوط والمحاصرات. المثقف الذي ينحاز لـ"الموظف" فيه لا يهمه استثمار تلك الهوامش, وينساق مع مستلزمات الوظيفة, ويخادع نفسه والآخرين. المثقف الذي يظل يناور ويحاول استغلال وتوسيع الهوامش الضيقة المتوفرة يظل أقرب إلى ضميره الفكري ويهزم سمة "الموظف" فيه. أسوأ أنواع المثقفين هم الذين يبيعون ضمائرهم كاملة تامة من أجل الوظيفة, ثم يزايدون على وضع الأسقف لهم, ويطربونه مدحاً, ثم يرقصون على أنغام النوتات الذي يضعها لهم صاحب الوظيفة وفق أجندته: إنهم المثقف المهرِّج بتنويعاته المختلفة. لكن يظل الحلم, ربما السرمدي, الذي يراود أغلب من داعبت مخيلته فكرة الانطلاق بالفكر والنقد إلى الأمدية القصوى من دون حسابات يقوم على التفلت من كل قيد, وإيلاء العقل والتفكير المهمة المقدسة في صنع الأفكار. والأفكار هنا لا تعني الغرق في المجرَّد والنظري, بل الانخراط في اليومي والسياسي الذي هو أعقد كثيراً مما هو نظري وذلك لجهة التحديات والعوائق ومراكز القوى التي يتم الاصطدام بها. في المجتمعات النامية والديكتاتورية, ومنها مجتمعاتنا العربية, تختلف طبيعة البيئة الضاغطة على المثقف ونتائج ذلك الضغط مقارنة بنظيرتها الضاغطة على المثقف في المجتمعات الأكثر تقدماً والأقل ديكتاتورية. في المجتمع النامي (المغلق) ينخفض سقف الحريات على صُعد مختلفة: على صعيد النظام السياسي, والنظام الاجتماعي, والنظام الثقافي والعقدي, ويُحاصر المثقف من قبل الأسقف الواطئة والجدران الزاحفة عليه بما يخنق عنده منطق النقد الحر. في المجتمع المتقدم (المفتوح) هناك نمط آخر من الضغوطات والأسقف تواجه المثقف, وتحالفات قوى السياسة والإعلام ورأس المال بما يقطع الطريق على تحقق طوباوية المثقف الحر. لكن مع ذلك يظل المثقف هنا يتمتع بهامش كبير لممارسة النقد اجتماعياً, وثقافياً, وسياسياً, ودينياً. الإشكالية التي يواجهها المثقف في المجتمع المفتوح (الغربي تحديداً) تتمثل في نشر وترويج ما يكتب ويرى, وليس في قوله والإفصاح عنه. ويحدث في الكثير من الأحيان أن ينزع النقد العالمثالثي لتجربة الحداثة الغربية على صعيد حرية التعبير لمماهاة عدم القدرة على نشر الرأي والتعبير مع عدم القدرة على التعبير وعلى تبني الرأي أساساً. التحدي الذي تواجهه المجتمعات الغربية إزاء فكرة المثقف الحُر تكمن في نضاله الدائم بنشر كل آرائه وليس في مجرد نطقه بها. في المجتمع المغلق يكون التحدي مزدوجاً: في الجرأة بتبني الرأي أولاً, ثم في محاولة نشره ثانياً. مثقف المجتمع المغلق غير مسموح له بأن يفكر بصوت عالٍ ولا أن يتبنى الرأي والفكر الذي يعتقده فكرياً وضميرياً إن تصادم مع مُسلمات المجتمع أو مصالح نخبته الحاكمة. ومن باب أولى, بالطبع, ألا يطمح بنشر أفكاره (الهدامة). رهانه شبه الوحيد هو الاشتغال في وعلى الهوامش ومحاولة توسيعها. في هكذا بيئة تتراجع صفة "المثقف" في المثقف نفسه, وتتقلص لمجرد كاتب فحسب تنفي الصفة الأولى المرتبطة تعريفاً بامتلاك وممارسة القدرة على النقد بأقصى حد ممكن من التفكير واللاحسابات. فدور المثقف أصلاً وأساساً معرَّف بإنتاج الأفكار ونقدها, لأن الإنتاج والنقد الدائم هو الآلية الوحيدة التي تتيح للأفكار أن تنضج جماعياً وتتبلور وتختبر وتشذب ثم تصبح حاملة للتغيير الاجتماعي. وعندما تتوقف هذه العملية الضرورية في أي مجتمع, أو تتحدد لها أسقف واطئة فعلينا أن نتوقع امتداد حالات التكلس السياسي والاجتماعي والديني إلى آفاق زمنية بعيدة الأجل, كما هو حالنا الراهن في المجتمعات العربية. لكن وأخذاً بالاعتبار كل ما سبق, تظل مسؤولية المثقف, العربي في حالتنا هنا, في القبول بالانحدار من موقعه ذاك إلى موقع الموظف مساوماً على أفكاره وآرائه كبيرة, وأحياناً تكون وتظل المسؤولية الأكبر. فتاريخياً ووجودياً كان ولا زال المثقف في صراع شبه مستديم مع مصادر السلطات التي تتحكم في المجتمعات. وعلى مدار القرون كان المثقف الحر أو شبه الحر هو الذي يقرع نواقيس التيقظ هنا وهناك, ويتحدث في اللامتحدث فيه, ويفكر في اللامفكر فيه. وعلى مدار التجارب الطويلة في البيئات والمجتمعات المختلفة كان المثقف الحر أو شبه الحر, أو على الأقل المثقف غير الموظف, هو الذي يقدم نموذج التحدي وينحاز لمستقبل مجتمعه ضد ما يغتال ذلك المستقبل من فكر وسياسة واجتماع راهنين.