تشكل تصريحات رئيس الوزراء البريطاني توني بلير يوم الأربعاء الماضي بشأن تقليص بريطانيا لقواتها المنتشرة في العراق إلى 30% على امتداد الستة أشهر المقبلة واحتمال سحبها نهائياً بحلول 2008، فضلاً عن أنباء أخرى تفيد باعتزام الدانمرك سحب قواتها، ضربة قوية إلى الجهود الأميركية الساعية إلى تعزيز قوى التحالف في العراق لإنهاء المهمة بنجاح. لكن، وعلى رغم إدراكي لمدى الصعوبات التي يلاقيها موضوع بقاء القوات البريطانية في العراق لدى الناخبين البريطانيين، فإن قرار توني بلير يستند إلى دواعٍ استراتيجية خارجية بقدر ما يستند إلى متطلبات سياسية داخلية. فالحقيقة أن بريطانيا تخلّت عن سعيها لتحقيق النصر في العراق منذ فترة طويلة بعدما أنجزت كل ما تستطيع القيام به في مناطق تواجدها بجنوب العراق. وبخلاف الأميركيين الذين يكثرون من الشكوى دون تحقيق نتائج ملموسة قام البريطانيون بعمل جيد في الجنوب. فقد كنت أراهم خلال زياراتي إلى العراق يسيرون دوريات في المستنقعات والمناطق الريفية، وشاهدت العراقيين وهم يطلبون المساعدة من القوات البريطانية للتوسط في حل النزاعات القبيلة، أو لتوفير المزيد من الحماية للأهالي من الميلشيات المسلحة. وبفضل الإشراف البريطاني تم وقف الجهود التي بذلها نظام صدام حسين في السابق لتجفيف المستنقعات (الأهوار) المنتشرة في جنوب العراق، حيث استعادت عافيتها وامتلأت مجدداً بالمياه بنسبة 40% من حجمها الأصلي. لكن من غير المرجح أن ترجع الحياة بشكل كامل إلى الأراضي السبخة في الجنوب بسبب استنزاف بعض الدول المجاورة للعراق لحوالى 75% من مياه نهري دجلة والفرات. وعندما قمت بزيارة إلى أحد بساتين النخيل بالقرب من البصرة في العام الماضي أخبرني المزارعون العراقيون عن قيام الطائرات البريطانية برش ما يقرب من 100 ألف شجرة بالمبيدات، مساهمة في مضاعفة الإنتاج الزراعي مقارنة مع فترة النظام السابق. وقد تجلى النجاح البريطاني في الجنوب العراقي أيضاً في شقه السياسي، حيث ترسخت الانتخابات والعملية الدستورية في المناطق الجنوبية أكثر منها في المناطق الأخرى بسبب تدني مستويات العنف وإقبال السكان على المشاركة السياسية. وطيلة الفترة السابقة لم يحدث أن اندلع تمرد شعبي ضد القوات البريطانية. فرغم حادثة اجتياح قوات بريطانية في 2005 لمركز للشرطة العراقية في مدينة البصرة لتخليص عنصرين من القوات الخاصة البريطانية اعتقلتهما الشرطة العراقية، وظهور صورة الجندي البريطاني والنار تلتهم ملابسه والناس من فوق عربته المصفحة وبثها في وسائل الإعلام المختلفة، ما أعطى الانطباع بأن المدينة تعيش أوضاعاً أمنية صعبة، فإن الأمر في الواقع كان مختلفاً تماماً. فجماعة الأهالي الغاضبة التي خرجت تحتج في الشوارع لم تتجاوز 200 شخص في مدينة يفوق عدد سكانها مليوني نسمة. وكما لاحظ المراقبون ذلك لم تشهد القوات البريطانية المتمركزة في الجنوب أية هجمات على وحداتها، بحيث أمضت الاثني عشر شهراً الأخيرة في هدوء نسبي ينعدم مثيله في باقي المحافظات العراقية. والحادثة الوحيدة التي مزقت الهدوء هي اكتشاف القوات البريطانية في شهر ديسمبر الماضي مخبأ للسلاح واعتقال أكثر من ألف من العناصر الإرهابية، في عملية اعتمدت فيها القوات البريطانية على طائرات الإنزال السريع والعشرات من العربات المصفحة والدبابات، لتشكل أكبر عملية تنفذها القوات البريطانية منذ غزو العراق. لكن على رغم النجاحات الكثيرة، يبدو أن بريطانيا لم تكن مرة راغبة في تحقيق النصر في جنوب العراق. فقد بدأ انسحاب القوات البريطانية من المنطقة الجنوبية مباشرة بعد الغزو، بحيث تراجع عديد الجيش البريطاني في الجنوب من 46 ألفاً في أبريل 2003 إلى أقل من 10 آلاف جندي في مايو 2004. وبامتناعها، أو بعجزها عن القضاء على الميلشيات المسلحة التي تجوب شوارع محافظات "ميسان" و"ذي قار" و"المثنى" والبصرة، والتي تشكل تهديد رئيسياً لفرض الاستقرار في المناطق الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية، اقتصرت مهمة القوات البريطانية على مراقبة الوضع دون القيام بأي تغيير. والواقع أن القوات البريطانية كانت تفتقر إلى الموارد اللازمة والصلاحيات المطلوبة لمواجهة "فيلق بدر" المدعوم إيرانياً، أو التنظيم الأكثر قومية المسمى "جيش المهدي" التابع لمقتدى الصدر. وعلى الأميركيين أن يدركوا أن الجنوب العراقي مختلف عن باقي المناطق مثل بغداد، أو المثلث السُّني بعدما بدأت تتغير اللعبة في محافظة الأنبار المضطربة ونجاح الأميركيين ولو نسبياً في إقناع القبائل المحلية بالانقلاب على أفكار "القاعدة" التي كان يمثلها "أبو مصعب الزرقاوي". أما في بغداد، فقد بدأ الناس يطالبون القوات الأميركية بالعودة إلى أحيائهم بعد تطهيرها لحمايتهم من الميلشيات المسلحة، وهو ما تقوم به حالياً في إطار الخطة الأمنية الجديدة الخاصة بالعاصمة. لكن هذا التغيير ينعدم كلياً في البصرة، إذ قلما خرج السكان ليطالبوا من الجيش البريطاني التدخل لحمايتهم. ولعل الدافع الأقوى الذي يتم اللجوء إليه لتبرير انسحاب القوات البريطانية من العراق هو ذلك المبني على مقولة أنه كلما استمرت قوات التحالف في العراق لفترة أطول، كلما منع ذلك العراقيين من الاعتماد على أنفسهم لحل مشاكلهم. لكنه دافع يغرق في التبسيط لأن الوضع في بعض المناطق العراقية، لاسيما في العاصمة بغداد، ومحافظة الأنبار مازال هشاً ولن تستطيع القوات العراقية بمفردها التغلب على الصعوبات الأمنية المتفاقمة. هذا الوضع المتردي في محافظات الوسط، يختلف كثيراً عما هو موجود في المحافظات الجنوبية، حيث الميلشيات المحلية أقل تهديداً للنظام العام. وتبقى الأولوية الآن بالنسبة لقوات التحالف هي توفير الشروط الضرورية للعراقيين لإنجاح مشروع عراق موحد ينعم باستقرار يقطع مع مراحل تاريخية اتسمت بالعنف. بارتل بريسي بول ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محرر الشؤون الدولية في مجلة "بروسبيكت" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"