مجلس اللوردات البريطاني بين "شرعية" الانتخاب و"تقاليد" التعيين
صوّت أعضاء مجلس اللوردات، ذاك التجمع المهيب للنبلاء أصحاب الثياب القرمزية والمعينين في معظمهم، الذي يشكل الغرفة العليا في الديمقراطية البريطانية، الأسبوع الماضي للوقوف في وجه الضغوط الرامية إلى جعلها غرفة منتخَبة بالكامل. غير أنه إذا كانت هذه المعركة الطويلة بين الطبقة الاجتماعية العليا وأعضاء مجلس العموم قد دخلت ربما مرحلتها النهائية، فإنها أدت إلى فكرة مخالفة لما يقوله الحدس، مفادها أن المزيد من الانتخابات قد لا يعني بالضرورة المزيد من الديمقراطية.
والواقع أن العكس هو الصحيح ربما؛ فمنذ 1999، تحدى مجلس اللوردات مجلس العموم -أي عملياً حكومة رئيس الوزراء توني بلير التي تتمتع بالأغلبية في الغرفة الدنيا الأقوى- بخصوص 350 موضوعاً. صحيح أن اللوردات اختاروا معارضة الحكومة بخصوص بعض القضايا، مثل حظر صيد الثعالب، الذي بدا أنه يعكس المصالح القديمة لمجموعة من النبلاء الذين يسيطرون على عقارات وأراضٍ واسعة حيث القناصة يخرجون على صهوات أحصنتهم للمرح والقنص. إلا أن عدداً مهماً من المعارك كان يتعلق بقوانين الحقوق المدنية ومحاربة الإرهاب التي اعتبرها اللوردات قمعية. وبعبارة أخرى، أصبح اللوردات الأنصارَ غير المتوقعين للمستضعفين في مواجهة حكومة عمالية طالما كانت ترى أن الدفاع عن الحريات من اختصاصها. وفي غضون ذلك، أبدى اللوردات استقلالية جريئة ناتجة عن عضويتهم في المجلس مدى الحياة، وهو ما جعلهم غير معنيين بالحسابات السياسية الانتخابية.
وعليه، يمكن القول إن المعركة تدور اليوم بين الاستقلالية غير المنتخَبة والشرعية المنتخبة؛ ذلك أن أعضاء مجلس العموم يريدون استبدال النبلاء المُعينين الذين يُقدر عددهم بنحو 600، ويحق لهم البقاء في المجلس طيلة حياتهم، والنبلاء الوراثيين الاثنين والتسعين، بأشخاص يُنتخبون من لوائح حزبية لولاية تشريعية واحدة من 15 سنة. بيد أن بعض معارضي هذا المخطط يجادلون بأنه ما دامت المحاسبة لن يتم تعزيزها عبر إعادة الانتخاب، فإن التصويت يشتري مظهراً من مظاهر الشرعية على حساب الاستقلالية المهمة.
وفي هذا الإطار، كتب بروس أكارمان، أستاذ القانون والعلوم السياسية بجامعة ييل، في دورية "ذا لندن ريفيو أوف بوكس" يقول: "إن وعد الشرعية الديمقراطية أمر زائف؛ ذلك أن منع إعادة الانتخاب تحرم الناخبين من وسيلة أساسية من وسائل المحاسبة الديمقراطية، وهي خوف السياسيين من أن يقوم ناخبوهم بتنحيتهم من السلطة". أو كما قال المشرع "توم ليفيت" من حزب "العمال" في مجلس العموم: "إن الانتخابات لا تصنع الديمقراطية، بل إعادة الانتخاب هي التي تفعل".
والواقع أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ ذلك أن الحكومة تقترح أن يتم انتقاء المرشحين للقب اللورد من القوائم الحزبية، وهو ما يتيح للأحزاب السياسية توسيع سلطتها ومكافأة أعضائها على إخلاصهم ومحاربة الانشقاق داخل صفوفها.
وقد كان رئيس الوزراء توني بلير عبَّر في السابق عن رغبته في مجلس لوردات مختلط، نصفه معين ونصفه الآخر منتخب. غير أن المخطط فشل عندما ذهب مجلس العموم أبعد بكثير مما كان يرغب فيه بلير. أما اللوردات فلا يرغبون كثيراً في غرفة مختلطة على اعتبار أن المنافسة بين مجلسي اللوردات والعموم من شأنها أن تخلق توتراً بين الهيئتين المنتخبتين المتنافستين تصعب السيطرة عليه. وفي هذا السياق، تقول البارونة "سايمونز أوف فورنهام" إن مجلساً مهجناً "لن تكون له علاقة بالديمقراطية؛ وإنما بحالة من عدم اليقين الدستوري واللامساواة الانتخابية".
والواقع أن بريطانيا القرن الحادي والعشرين تتميز، على غرار بعض المناطق في الولايات المتحدة، بالإرهاق السياسي. فقد بلغت نسبة المشاركة في التصويت، خلال آخر انتخابات وطنية لمجلس العموم في مايو 2005، بنحو 61 في المئة -أي أعلى بقليل من 59.4 في المئة المسجلة في 2001، والتي تعد الأدنى من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية. والحقيقة أن نسب المشاركة في انتخابات أخرى كانت أدنى بكثير. ويقول المشرع "كريس مولين" من حزب العمال: "إن الجمهور لا يرغب في المزيد من الساسة المنتخبين".
والواقع أن للبريطانيين سبباً خاصاً للتشكيك في نزاهة الهيئة السياسية برمتها؛ إذ تقوم الشرطة البريطانية حالياً بالتحقيق في ما إن كان مسؤولون كبار في حكومة توني بلير حاولوا التستر على تجارة غير قانونية في الألقاب من أجل الدعم المالي، وهي تجارة مُنعت في 1925 بعد ضلوع حكومة ديفيد لويد جورج في منح عضوية مجلس اللوردات للمانحين الكبار.
لقد كان مجلس اللوردات دائماً جبهة للمحسوبية؛ يدين النبلاء فيه بمكانتهم المرموقة إلى كرم وسخاء الملكية، مقابل عملهم على جمع الضرائب وإنشاء الجيوش. وفي هذا السياق، يقول بوب مارشال أندروز، المشرع العمالي المعارض للتغييرات المقترَحة "إن اللعنة الحقيقية التي يعاني منها النظام السياسي البريطاني هي المحسوبية".
قد يكون تحقيق الشرطة في ما بات يُعرف بفضيحة المال مقابل الألقاب هو الذي أعطى الدفعة الأخيرة لما يقارب قرناً من جهود مجلس العموم الرامية للحد من سلطة اللوردات. وفي هذا الإطار، كتبت صحيفة "ديلي تلغراف" المحافظة في إحدى افتتاحياتها تقول "من الواضح أن المشرعين يشعرون بأن العملية السياسية قد لُطخت برمتها بسبب ادعاءات بيع الألقاب، وهو ما يفسر رد فعلهم المتمثل في الضغط على زر الإصلاح". غير أن الأرجح أن أعضاء مجلس اللوردات سيشنون حملة مضادة. تقول البارونة "بوثرويد"، رئيسة مجلس العموم السابقة التي ارتقت إلى الغرفة العليا "إن مستقبل برلماننا سيكون في خطر إن نحن أخللنا بالتوازن بين المجلسين اللذين طالما خدما هذا البلد جيداً".
ــــــــــــــــــــــــــ
مراسل "نيويورك تايمز" في لندن
ـــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"