حرب العراق والسيرة الذاتية لجاسوسة البيت الأبيض
في السادس من يوليو 2003، أي بعد أربعة أشهر فحسب من غزو العراق، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقال الرأي التاريخي الشهير "ما لم أعثر عليه في أفريقيا" لكاتبه السفير الأميركي السابق جوزيف ويلسون. ولم يمض أسبوع واحد على نشر ذلك المقال، حتى كشف روبرت نوفاك في عموده الصحفي عن هوية فاليري بليم، زوجة السفير السابق جوزيف نيلسون، واصفاً إياها بأنها تعمل جاسوسة لصالح وكالة "سي آي إيه". وقد أدى ذيوع ذلك الخبر على نطاق واسع وعبر وسائل الإعلام، إلى فتح تحقيق فيدرالي رسمي حوله، انتهى بمحاكمة وإدانة سكوتر ليبي، كبير موظفي مكتب نائب الرئيس ديك تشيني، إضافة إلى قائمة الاتهامات التي طالت عدداً من كبار مسؤولي إدارة بوش، نتيجة للدعوى المدنية التي رفعتها عائلة ويلسون. وقد كُتِبَ ونُشر الكثير عن قضية "بليم"، إلا أن صاحبتها ظلت ملتزمة الصمت حتى فاجأت الرأي العام الأميركي بكتابها الذي بين يدينا الآن. غير أن بعض ما نشر حول هذا الموضوع كان دقيقاً إلى حد إثارة القلق والخوف، إذ لم تعد الحياة العائلية الخاصة بتلك الأسرة تحتفظ بخصوصيتها مطلقاً، بسبب الاستباحة والانتهاك اللذين تعرضت لهما. وفي المقابل فقد نشرت قصص وأخبار كاذبة مزيفة خلفت الكثير من التشوهات على حياة الزوجين وعلاقتهما معاً.
يذكر أن فاليري بليم كانت قد استقالت من عملها السابق بوكالة "سي آي إيه" في يناير 2006، وهاهي الآن تكتب سيرتها بنفسها وتصحح ما لحق بها من تزوير وتلفيق. وخلافاً لما درج عليه أدب السيرة الذاتية، فقد ارتبطت مادة هذا الكتاب، بالخلاف الدائر حول مشروعية الغزو الأميركي للعراق، وحول الذرائع التي شن على أساسها الغزو، ثم ما تلا ذلك من أخطاء فادحة في إدارة مرحلة ما بعد الحرب. وبما أن كشف الهوية السرية لضابطة المخابرات هذه قد كان جزءاً من النزاع الدائر بين الإدارة وخصومها، فقد كان طبيعياً أن تقف هذه السيرة على الأسئلة الرئيسية المثارة في هذا الخلاف لتجيب عنها وتفندها الواحد تلو الآخر. وما جعل من ذلك واجباً لا بد منه أن مقال زوجها السفير السابق ويلسون الذي تمت الإشارة إليه آنفاً، قد كشف عن جانب ضعف استخباراتي رئيسي فيما كان يتردد قبيل الحرب عن حصول العراق على مادة اليورانيوم من دولة النيجر التي يعلم عنها الكثير بحكم خبرته الأفريقية، بل وابتعث للتحقق من مدى صدق تلك المعلومة الاستخباراتية التي تبين هو بنفسه خطأها قبيل الغزو بمدة قصيرة. وقبل ذلك أجابت السيرة أيضاً عن أسئلة أخرى أثيرت حول الخبرة الاستخباراتية السابقة للكاتبة وعن المسؤوليات التي تقلدتها داخل الوكالة، إضافة إلى إلقاء الضوء العام على حياتها الشخصية والعائلية.
على أن المهم في هذه القصة هو أنها أصبحت جزءاً عضوياً من قصة الحرب على العراق، بحيث تتعذر قراءتها أو فهم مغزاها خارج هذا السياق. فقد كان مكتب نائب الرئيس ديك تشيني هو الذي أصر على ابتعاث نيلسون إلى النيجر بغرض التحقق من صحة المعلومة المتداولة في أروقة الإدارة وأجهزة المخابرات الأميركية عن سعي صدام حسين للحصول على كميات كبيرة من مادة اليورانيوم من إحدى الدول الأفريقية. وكان خطاب الرئيس بوش عن "حالة الاتحاد" الذي ألقاه عام 2003 هو الشرارة التي انطلقت منها "أزمة بليم" أو "بليم جيت" كما درجت الإشارة إليها لاحقاً في بعض أوساط الإعلام ولغة التحليل السياسي. وقد حوى ذلك الخطاب ست عشرة كلمة تعارضت تعارضاً صارخاً مع حقيقة ما توصل إليه ويلسون في بعثته المذكورة إلى النيجر. وما أن نفت كوندوليزا رايس – مستشارة الرئيس بوش للأمن القومي حينئذ- علم أي من أعضاء الإدارة بخطأ المعلومات عن حصول صدام حسين على اليورانيوم من النيجر، حتى كان ذلك النفي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فما كان من زوج المؤلفة إلا أن كتب ما كتب ليثبت حجم التحريف المتعمد الذي تعرضت له المعلومات الاستخباراتية السابقة لغزو العراق، خاصة تلك المتعلقة بمزاعم أسلحة الدمار الشامل العراقية. وفيما بعد تلك الأحداث العاصفة التي لحقت الكشف عن هوية بليم، تتالت فضائح أخرى، من بينها فضيحة السناتور "بات روبرتس" وهو عضو جمهوري من ولاية كانساس، وكان رئيساً سابقاً للجنة المخابرات التابعة لمجلس الشيوخ حينها. وبسبب عمله الوثيق مع ديك تشيني، فقد بذل السناتور روبرتس من الجهد والعناء، ما أسهم في تحويل حياة عائلة ويلسون إلى قطعة من الجحيم بحق، بسبب تحريفه الذكي للمعلومات الاستخباراتية قبيل انتخابات عام 2004 الرئاسية.
كما يثير الاهتمام بهذه السيرة ما وجهته بليم من انتقادات للأداء الصحفي لكبريات الصحف والمؤسسات الصحفية الأميركية، بالتزامن مع فضيحة الكشف عن هويتها الاستخباراتية نتيجة لخلاف سياسي استخباراتي نشأ بين زوجها وقارعي طبول الحرب في أروقة الإدارة. وأكثر ما سلطت عليه الانتقادات في ذلك الأداء الصحفي هو فقدان الصحافة الأميركية لاستقلاليتها وقبول الصحفيين الأعمى لكل كلمة ترد على ألسنة مسؤولي الإدارة وكأنها الحق المطلق! ومن رأيها أن جزءاً من تصحيح الأخطاء التي صاحبت شن الحرب على العراق، هو تصحيح العلاقة بين الصحافة ودوائر السلطة واتخاذ القرار الحكومي.
عبد الجبار عبدالله
الكتاب: اللعبة النزيهة: حياتي الجاسوسية وكيف خانني البيت الأبيض
المؤلفة: فاليري بليم
الناشر: دار سايمون آند شوستر للطباعة والنشر
تاريخ النشر: 2007