تستخدم عبارة الفضاء المعلوماتي في وقتنا الحالي للدلالة على البيئة الافتراضية للإنترنت وبقية وسائط الاتصال الرقمية المنتشرة، لكن الفضاء المعلوماتي يتجاوز بعناصره الحدود التي تمتد عليها شبكة الإنترنت وبقية العوالم الافتراضية المستحدثة، ليشمل جميع فضاءات الاتصال السائدة في المجتمع الإنساني بكافة مستويات أنشطته. وفي كتاب "الفضاء المعلوماتي"، والذي نعرضه فيما يلي، لمؤلفه الدكتور حسن مظفر الرزو، نطالع مناقشة شاملة لكثير من أوجه ذلك الموضوع، في عشرة فصول و500 صفحة من الورق الكبير، يجد قارئها المتخصص تحليلاً معمقاً للقضايا والنظريات وأحدث المستجدات الفنية والتحليلية في مجال النماذج المعلوماتية ومنظومات الاتصال الرقمية. أما القارئ غير المتخصص فيتعرف من خلالها، وبطريقة سلسة وشيقة، على الفضاء الافتراضي بأعمدته الكبرى. وعلى مدى أربعة من فصول كتابه، يحاول المؤلف تحديد ماهية الفضاء المعلوماتي، فيوضح بداية أن تلك التسمية مستعارة من الفضاء الفيزيائي ضمن بيئة إلكترونية رقمية مرنة، لكن دائرة المفهوم الجديد اتسعت فبات يتضمن فهمنا لعالمي الاتصالات والمعلومات والكائنات التي في بيئتهما الرقمية، وسائر أنشطتنا داخل حدود ذلك الفضاء. فحتى ستينيات القرن الماضي، لم تظهر معالجات عميقة تتناول الظاهرة المعلوماتية من منظور فلسفي، وبقي اصطلاح المعلومات يطلق بصورة فضفاضة على مجموعة كبيرة من تقنيات المعلومات وأدواتها، لكن سرعان ما أصبح النهج المعلوماتي بمثابة نسق يوظف المعلومات كمورد ومفتاح للتعاطي مع جميع العناصر والكائنات ذات الصلة. وبذلك برز نسق فكري جديد يحاول توظيف المفردات المعلوماتية في صياغة قوالب للفهم البشري، سعياً إلى ترجمة الأفعال الوجودية وتحليل ماهية الأشياء ككيانات معلوماتية تتجلى على أرض الواقع. ويرى المؤلف أن الشبكة العنكبوتية العالمية (الإنترنت)، وهي مسرح يتألف من حزمة معقدة ومتشابكة من التفاعلات الرقمية، تمثل أهم تجسيد حي لمبدأ الفضاء المعلوماتي. وهو فضاء يمتاز بتعدد الأبعاد، ما يجعله مغايراً للفضاء التقليدي الذي تعودنا العيش فيه، ومن ثم فهو يطرح أمامنا مسألة القدرة على تحديد الموقع الحقيقي ضمن هذه البيئة الافتراضية. ويتطرق المؤلف باستفاضة إلى الموارد الرقمية في الفضاء المعلوماتي ومستوياتها، فيذكر أن البيانات والمعلومات ضمن النظم المعلوماتية تتكون من مادة أساسية تشمل حاسوباً شخصياً أو بضعة حواسيب ترتبط بشبكة معلومات محلية، لا تلبث أن تتوسع باتجاه شبكات معلومات واسعة النطاق، أو ترتبط بفضاء الإنترنت المفتوح على كامل شبكة المعلومات العالمية. أما البنية التحتية لفضاء المعلومات، فيقول عنها المؤلف إنها تتكون من ثلاث طبقات؛ أولاها الأدوات والمعدات المعلوماتية، وثانيتها معمار النسيج الرابط بين تلك الأدوات والمعدات، أما الطبقة الثالثة فهي المورد الرقمي الذي يغذي مكونات الطبقة الأولى ويغذي نسيج الطبقة الثانية. ورغم التطورات المتسارعة في بنية الفضاء المعلوماتي، فهو مايزال يعاني من إشكالات جمة وعويصة؛ مثل إشكالية الهوية المعلوماتية حيث توفر الإنترنت بيئة مناسبة لتغييب الهوية أو تزييفها بأساليب مختلفة دون وجود أي نوع من الرقابة القانونية أو الاجتماعية على هذا الفضاء. وهناك أيضاً إشكالية "الشر المعلوماتي" وهو كل فعل يلحق الأذى بأحد الكائنات المعلوماتية أو الأدوات التي تتألف منها مادة الفضاء المعلوماتي، فضلاً عن الجريمة المعلوماتية والإرهاب المعلوماتي ومحدودية العناصر المتاحة لترسيخ الأمن المعلوماتي في مجتمع المعلومات. ويعقد المؤلف فصلاً منفرداً للتعريف بمجتمع الفضاء المعلوماتي أو المجتمع الشبكاتي، كمظهر لهيكلية اجتماعية من نوع جديد، ظهرت في سياق الثورة المعلوماتية، وباشرت النفوذ تدريجياً في مراكز الكيانات المجتمعية المعاصرة، وذلك بالاعتماد أساساً على توظيف أدوات الاتصال والمعلومات. وقد تجلى هذا الاعتماد في الارتكاز الكثيف على الشبكات المعلوماتية كميزة جوهرية للمورفولوجيا الاجتماعية. ويشتمل الكتاب على قراءة تحليلية في واقع الفضاء المعلوماتي العربي؛ في معماريته الرقمية بمستوييها؛ وأولهما البنية التحتية للمعلومات والاتصالات، وثانيهما موارد الفضاء المعلوماتي. وهنا يلاحظ المؤلف أن الوطن العربي لايزال يعاني من قصور كبير في جاهزية البنية التحتية للمعلومات والاتصالات، مما انعكس بشكل ملحوظ على جغرافية فضائه المعلوماتي. لكن الدول العربية تتفاوت كثيراً من حيث امتلاكها للجاهزية الإلكترونية، وفي هذا المجال تتقدمها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بفارق ملحوظ. أما فيما يخص موارد الفضاء المعلوماتي العربي، وهي مجموعة المضيفات الرقمية التي تضم المواقع الإلكترونية العربية... فيسجل المؤلف أن أغلبها يقيم في بلدان خارج حدود الوطن العربي، لكنه يلاحظ أيضاً أن دولة الامارات تحتل المرتبة الاولى عربياً في عدد مضيفات خدمة الإنترنت (61.4 مضيفاً لكل 10 آلاف مواطن). وإلى ذلك يناقش المؤلف قضايا كثيرة أخرى في هذا الباب؛ مثل الربط الاقليمي الرقمي العربي، ومجتمع المعلومات العربي، ومنظمات الفضاء المعلوماتي العربية، والحكومات الإلكترونية العربية، وقطاع التعليم الإلكتروني في البلدان العربية، والمحتوى العربي على الإنترنت... ليستنتج من ذلك وجود توجه واسع نحو توظيف تقنيات المعلومات ونحو إنشاء وتعميق المحتوى الرقمي العربي، لكن رغم ذلك فإن سوق المحتوى الرقمي العربي لا تزال فقيرة، وهي لذلك السبب تعد سوقاً واعدة للاستثمار خلال المدى المنظور على الأقل! محمد ولد المنى الكتاب: الفضاء المعلوماتي الكاتب: د. حسن مظفر الرزو الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية تاريخ النشر: 2007