إنهم يرفضون الفتنة
جاءت الهجمات الإرهابية الدموية في بغداد وكربلاء الثلاثاء الماضي لتكشف أكثر من حقيقة وتطرح أكثر من تساؤل. من الحقائق التي أكدتها الهجمات الإرهابية أن الشعب العراقي واعٍ لدوافع هذه الهجمات –بغض النظر عن مرتكبيها- وهي دوافع تنشد الفتنة وإشعال نار الحرب الأهلية الطائفية في العراق. وسوف يسجل التاريخ للشعب العراقي ولقياداته السياسية والدينية بحروف من نور، أنهم فوتوا ولا زالوا يفوتون الفرصة على من يتمنى أن يغوص العراق في حرب ضروس طائفية تأكل الأخضر واليابس. وسوف يجني عراق المستقبل ثمار العقلانية والسمو وضبط النفس التي تحلت بها القيادات الدينية والسياسية التي سارعت إلى إدانة تلك الجرائم، معبرة عن إدراكها لأهدافها النتنة وتفويتها الفرصة عليها كي لا تحصد نتائج جرائمها الوخيمة بإشعال الحرب الطائفية في العراق.
لم يسجل التاريخ العراقي هجوماً شيعياً على السنة، ولا هجوما سنياً على الشيعة، لا بين قراها ولا بين قبائلها، ولعل تلك الحقيقة تجسد جذور الخيبة لمن يتمنى الفتنة الطائفية في العراق ويرى فيها بيئته النتنة التي لا يستطيع العيش خارجها.
إن قوى الظلام التي ترى الدين ملكاً لها، لا تستطيع الاستمرار والعيش في عراق متوافق متعايش، يحكمه دستور موحد يساوي بين كافة طوائفه وأعراقه وأديانه، ولا يمكن لها أن تستمر إلا بإشعال الفتن التي تقوم عليها رسالتها المتخلفة. كما أن القوى المعادية للعراق وللأمة، تنشد -بلا شك- أن يدخل العراق في دوامة من الدم الطائفي لو أنها اشتعلت -لا سمح الله- فلن تطفئها دعوات العقل وصرخات الوحدة الوطنية العراقية التي لا تزال تصم آذان قوى الشر والفتنة الطائفية.
إن قوات الاحتلال مطالبة بأن تمارس نوعاً من الشفافية، وأن تساهم بالكشف عن مرتكبي تلك الجرائم، فلم يعد كافياً أن يقف متحدث رسمي لقوات الاحتلال ليعلن تارة أن عزة إبراهيم هو المسؤول عن الهجمات الإرهابية في العراق، ثم يتم استبداله بأبو مصعب الزرقاوي بعد أسابيع، كما أن من البديهي القول إن أمن العراقيين هو مسؤولية قوات الاحتلال حتى يتم تسليم السلطة للعراقيين أنفسهم.
لقد جاءت هجمات الثلاثاء الماضي ضمن سلسلة استهدفت الأماكن الشيعية المقدسة في النجف وكربلاء، كان أشهرها الهجوم الذي تم في التاسع والعشرين من أغسطس الماضي، والذي حصد أرواح أكثر من ثمانين بريئاً عراقياً ومئات الجرحى، وكان من بين ضحايا ذلك الهجوم المفجع - المرحوم السيد محمد باقر الحكيم- الذي كان عنصراً للتوازن والتحاب والتعايش بين كافة العراقيين، وكان مفصلاً للتقارب بين كافة فئات الشعب العراقي وطوائفه، وحظي باحترام السنة والشيعة على حد سواء. وكان الهدف من ذلك الهجوم الوحشي إشعال نار الفتنة، وقد خاب ظن من ارتكبوا تلك الجريمة النكراء، فوقف الشعب العراقي موحداً في وجه تلك الهزة التي كانت تهدف إلى إشعال نار الفتنة الطائفية، وها هو الشعب العراقي بكافة فئاته، يجدد العهد لوحدته الوطنية يوم الثلاثاء الماضي، ويقطع الطريق على مدبري الفتن، ويعلن بكافة طوائفه رفضه للإرهاب، وصموده في وجه الفتنة. والسؤال الآن هو: إلى متى وهذا الشعب المنكوب عرضة لهذه الهجمات البربرية التي لا تميز بين الأبرياء- صغيرهم وكبيرهم، شيخهم وشابهم؟ وإلى متى والعراقيون ينتظرون اليوم الذي يقبض فيه على من يقف وراء هذه الفتن، ويعرض أمام الجميع لدرء النار وقفل مناهيلها؟