كان معهد "ماساشوستس" للتقنية متقدماً للغاية عندما التحقت به كطالب جامعي عام 1965، ودليل تقدمه أنه كان يمتلك جهاز كمبيوتر، وهو شيء لم يكن آنذاك متوافراً لغيره من المعاهد والكليات. هذا الجهاز احتل مبنى كاملاً، وكانت تكلفته تربو على 11 مليون دولار بأسعار زمننا الحالي، ويشارك في استخدامه كافة الطلاب وطاقم التدريس. بعد أربعة عقود تقريباً، أصبح الكمبيوتر الذي نستخدمه في هواتفنا النقالة أصغر بمليون مرة، وأرخص بمليون مرة، وأقوى ألف مرة من كمبيوتر معهد "ماساشوستس". وعلى الرغم من القوة التي أصبحت عليها تقنية المعلومات اليوم، فإننا سنتمكن من تحقيق زيادة مقدارها مليار ضعف في قدرة هذه التقنية (بالتكلفة نفسها تقريباً) خلال الخمسة وعشرين عاماً القادمة. السبب في ذلك يعود إلى حقيقة مفادها أن تقنية المعلومات تضيف لنفسها باستمرار، وهو ما يرجع لأننا نستخدم على الدوام أحدث الأدوات اللازمة لبناء المرحلة التالية، الأمر الذي يجعل تلك القدرات تتطور بمعدلات فائقة. ولا يعني هذا فقط إمكانية تصنيعنا لهواتف نقالة ذات أشكال أكثر جاذبية وجمالاً فحسب، وإنما يعني أن التغيير الذي سيتم تحقيقه في مجال تقنية المعلومات، سيهز كافة مناحي حياتنا، وأن الزيادة الفائقة في سرعة الكمبيوتر ستساهم في التوصل لحل مشكلة الاحتباس الحراري، وفي الكشف عن أسرار الحياة الطويلة، وحل عدد لا يحصى من الألغاز الدنيوية. فالتقنية هي فقط التي تمتلك القدرة على مواجهة التحديات الكبرى، التي لا يمكن التنبؤ بها لحد كبير، كالتحديات الخاصة بالطاقة والبيئة والأمراض والفقر التي تواجه المجتمعات في أركان المعمورة الأربعة. فإذا نظرنا -على سبيل المثال- إلى موضوع الطاقة، التي يعاني العالم في الوقت الراهن من نقص خطير فيها، سنجد أن 70 % من الطاقة المستخدمة مستخرج من الوقود الأحفوري، الذي يستخدم تقنيات تعود إلى القرن التاسع عشر، وأن الأمل الوحيد في التغلب على أزمة الطاقة، هو الاعتماد على مصادر متجددة كالطاقة الشمسية التي تعتبر من أنواع الطاقة الصديقة للأرض. بيد أن المشكلة هنا هي أننا لا نستطيع أن نفعل ذلك في الوقت الراهن، لأن التقنية المستخدمة في توليد هذا النوع من الطاقة، تعتمد على استخدام الألواح الشمسية باهظة التكلفة، وغير الفعالة إلى حد كبير، وثقيلة الوزن، وصعبة التركيب، مما يجعل من غير الممكن بالتالي حل مشكلة الطاقة إلا باستخدام جيل جديد من الألواح الشمسية يقوم على "النانوتكنولوجي أو" تقنية الجزيئات الدقيقة". و"النانوتكنولوجي" في حد ذاتها تقنية معلومات تخضع للقانون المعروف بـ"قانون العائد المتسارع" الذي يعني المضاعفة المستمرة للقدرة كل عام تقريباً. حالياً تقوم مجموعات الاستثمار المالي، وشركات التقنية الفائقة، باستثمار مليارات الدولارات في هذه التقنيات الجديدة المتجددة. وأنا واثق من أننا سنكون قادرين عما قريب على الحصول على الطاقة من الشمس، باستخدام الألواح الشمسية المصممة باستخدام "النانوتكنولوجي" في الأيام المشمسة، وتخزينها للأيام الغائمة، وذلك بتكلفة أقل من تلك التي ننفقها على استخراج أنواع الوقود الأحفوري المدمر للبيئة. ونحن نرى هذا التقدم في تقنيات بيولوجية أخرى، فحتى زمن قريب لم يكن الدواء- شأنه في ذلك شأن الطاقة- تقنية معلومات. وهذا الوضع آخذ في التغيير حالياً، وذلك بعد أن بدأ العلماء في الوقت الراهن ينظرون إلى الطريقة التي تعمل بها التقنيات باعتبارها مجموعة من العمليات المعلوماتية. فالشيء الذي قد لا يعرفه الكثيرون على سبيل المثال أن الـ23 ألف "جين" الموجودة في خلايانا، هي في الأساس برامج معلومات، مما يعني أننا سنكون قادرين على تحقيق مكاسب هائلة من خلال نمذجة وتقليد العمليات المعلوماتية، التي أدى كسر الكود الجيني إلى فتح مغاليقها. بالإضافة لذلك، أصبحنا منذ سنوات قليلة نمتلك أدوات جديدة، تسمح لنا بإعادة برمجة عملياتنا الحيوية البشرية، بالطريقة نفسها التي نقوم بها بإعادة برمجة أجهزة الكمبيوتر. فعلى سبيل المثال، عندما تم إغلاق الجين المستقبل للأنسولين الدهني في الفئران، فإنها أصبحت قادرة على تناول طعامها بنهم والمحافظة في الوقت نفسه على رشاقتها، والحصول على الفوائد الصحية المرتبطة عادة بتلك الرشاقة. ولا يقتصر الأمر على ذلك بالطبع، حيث أصبحنا قادرين على فتح وإغلاق الإنزيمات، وعلى إضافة جينات إلى الجسم. فأنا مثلاً أعمل لدى شركة تقوم بإزالة خلايا الرئة، وإضافة جينات جديدة، ثم إعادة إنتاج الخلايا مُحسّنَة الجينات مليون مرة، وإعادة حقنها مجدداً في الجسم، لإعادة الرئة المعطوبة إلى حالتها. يمكن إجمال النقطة المهمة في هذا الموضوع هكذا: نظراً لأننا أصبحنا الآن قادرين على نمذجة، ومحاكاة، وإعادة برمجة البيولوجيا، بالطريقة نفسها التي نستطيع أن نفعل بها ذلك مع الكمبيوتر، فإن تلك البيولوجيا ستكون خاضعة بالتالي لـ"قانون العوائد المتسارعة"، الذي يعني إمكانية مضاعفة قدراتها وإمكانياتها في أقل من سنة، كما يعني أيضاً أن تلك التقنيات ستكون أكثر قدرة ألف مرة مما هي عليه الآن خلال عقد من الزمان، وأكثر قدرة مما هي عليه الآن بمقدار مليون مرة خلال عقدين من الزمان. ونحن قادرون الآن على إضافة ثلاثة أشهر كل عام للفترة المتوقعة من أعمارنا، ولكننا إذا ما أخذنا في اعتبارنا النمو الفائق لقدرتنا على إعادة برمجة البيولوجيا، فإن تلك القدرة على إضافة المزيد من السنوات لحياتنا المتوقعة ستتزايد على نحو مذهل. لاشك أن عملية تغيير قرننا الحادي والعشرين قد بدأت، وأن تقنية المعلومات في جميع صُوَرها، ستساعد على أن يكون مستقبلنا أكثر إشراقاً بلا حدود. راي كرزوايل عالم كمبيوتر ومخترع ومؤلف كتاب" التفرد أصبح في متناول اليد" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"