مضافات الفيتامينات و التسمم
منذ بدايات القرن العشرين، أدرك الأطباء الأهمية الفائقة للفيتامينات في الحفاظ على الصحة، وفي الوقاية من العديد من الأمراض. ومع نهاية القرن، وطغيان أسلوب الحياة العصرية، المعتمد بشكل أكبر على الأطعمة المعلبة والمصنعة والمحفوظة، وبشكل أقل على الخضروات والفواكه -المصدر الرئيسي لغالبية الفيتامينات- لجأ الكثيرون إلى ابتلاع الفيتامينات في شكل أقراص وكبسولات، للوقاية من أي نقص محتمل في غذائهم من هذه العناصر الحيوية، وخصوصاً في ظل النصيحة الطبية التي كانت سائدة حتى وقت قريب، والناصة على أنه لو لم تفدك الفيتامينات، فهي لن تضرك. وهو ما أدى إلى ظهور طائفة جديدة من المشاكل الصحية، لم يعرفها الجنس البشري من قبل، نتيجة تزايد عدد حالات التسمم بالفيتامينات (Vitamins Poisoning). ففيتامين (A) مثلاً، الضروري للوقاية من "العشى الليلي" أو ضعف الرؤية في أوقات الظلام، وللحفاظ على وظائف جهاز المناعة في شكل مثالي، والذي يفيد في نمو الجنين بشكل سليم، وفي العمليات الحيوية داخل العظام وخصوصاً تكوين خلايا الدم الجديدة، وفي صحة ونضارة الجلد، وخفض احتمالات الإصابة بأمراض القلب والأمراض السرطانية الأخرى، يمكن أن تؤدي الجرعات المرتفعة منه إلى حالات تسمم ذات عواقب صحية خطيرة. وفي هذه الحالات تتحول نعمة فيتامين (A) إلى نقمة، تظهر في شكل عيوب خلقية في الأجنة، ومشاكل في الكبد، وخفض في كثافة العظام يؤدي إلى هشاشتها وتحطمها، وإلى تساقط الشعر، وجفاف وتقشر الجلد.
ولكن كيف تتحول مادة حميدة ذات فوائد جمة، إلى لعنة ذات عواقب خطيرة؟ إجابة هذا السؤال تتلخص في حجم الجرعة اليومية. ففي الحالات الطبيعية، لا يمكن للإنسان الحصول على جرعات كبيرة من فيتامين (A) -أو غيره من الفيتامينات- إلا إذا تناول كميات كبيرة من الأطعمة التي تحتوي على هذا الفيتامين أو ذاك. وحتى إذا ما حدث ذلك، فغالباً ما يكون ليوم، أو لعدة أيام بحد أقصى. ولكن في ظل سهولة ابتلاع أقراص وكبسولات الفيتامينات، ورخص ثمنها النسبي، يمكن للمرء أن يتناول كميات هائلة من الفيتامين خلال فترة زمنية قصيرة. فعلى سبيل المثال، يتواجد فيتامين (A) بكميات كبيرة في كبد الحيوانات، وإن كان يمكن تناول جرعة من هذا الفيتامين من خلال الكبسولات خلال يوم واحد، تعادل كمية الموجود منه في كبد عشر أبقار. ومثل هذا السيناريو لا ينطبق على فيتامين (A) فقط، بل على غالبية الفيتامينات أيضاً، مثل فيتامين (C) واسع الانتشار، أو فيتامين (B3) طويل المفعول، أو فيتامين (B6) مرتفع الجرعة. ومما يزيد الموقف تعقيداً، أن معظم الكبسولات المحتوية على فيتامينات متعددة (Multivitamins)، تحتوي أيضاً على عناصر غذائية أخرى مثل الحديد، والسيلنيوم، والكالسيوم، والتي يمكنها أن تسبب تسمماً هي الأخرى، وخصوصاً تلك المحتوية على تركيزات مرتفعة من الحديد. ولحسن الحظ، تندر جداً حالات الوفيات الناتجة عن التسمم بالفيتامينات، ما عدا بعض الأطفال الذين قاموا بتناول كميات كبيرة من أقراص الفيتامينات الملونة بألوان مغرية، والمغلفة بالسكر كالحلويات.
وبخلاف تناول الفيتامينات للوقاية من الأمراض التي تنتج عن نقصها، ظهر مؤخراً اتجاه صحي بين البعض للاعتماد على هذه العناصر الغذائية، للوقاية من أمراض لا لعلاقة لها بنقص أو زيادة تلك الفيتامينات. ففي رأي هؤلاء، أن الأدلة العلمية تدعم استخدام الفيتامينات للوقاية من بعض الأمراض، أو لتحسين الحالة الصحية للمصابين أساساً بعلل وأمراض مزمنة. هذا على رغم أن بعض الجهات الصحية، مثل هيئة الأغذية والعقاقير الأميركية، تشترط في إعلانات المضافات الغذائية أن تنص على أنه: لا يوجد ما يثبت جدواها في علاج، أو تشخيص، أو تخفيف الأعراض أو العلامات، أو الوقاية من أو شفاء الأمراض، وأن أية فائدة صحية أخرى تنسب إلى تلك المضافات لم يتم التحقق منها أو تأكيدها من قبل هيئة الأغذية والعقاقير. بينما اتخذ المجتمع الطبي موقفاً سلبياً إلى حد كبير من هذا الموضوع، خلاصته أن تلك المضافات لا ضرر منها، ما لم يتم تناولها بجرعات كبيرة تسبب التسمم، وهو الموقف الذي من شأنه أن يتغير عما قريب. ففي الآونة الأخيرة تواترت الدراسات التي تشير إلى أن المضافات الغذائية، حتى في جرعاتها الصغيرة، قد تسبب أضراراً صحية غير ظاهرة. وآخر تلك الدراسات صدرت هذا الأسبوع عن مجموعة من علماء جامعة "كوبنهاجن" بالدانمرك، قاموا فيها بمراجعة نتائج 67 دراسة سابقة شملت 233 ألف شخص، ليستنتجوا أن مضافات الفيتامينات وخصوصاً تلك المعروفة بمضادات الأكسدة مثل فيتامين (A) و (E) و (beta-carotene) لا تحقق أية فائدة صحية، بل على العكس قد تؤثر سلباً على دفاعات الجسم، وربما تؤدي للوفاة المبكرة.
وليس من الواضح كيف يمكن لجرعات الفيتامينات أن تؤدي إلى هذه النتائج العكسية، وإن كان العلماء الدانمركيون يخمنون أنها قد تؤدي إلى اضطراب في العمليات الكيميائية الحيوية في الجسم، مثل (beta-carotene) والذي يغير من كيفية استخدام الجسم للدهون. وإلى أن يتم إثبات هذه النتيجة المذهلة، أو نفيها، تظل النصيحة الطبية التي لا خلاف عليها هي: إن أفضل طريقة لحصول الإنسان على احتياجاته من الفيتامينات وغيرها من المغذيات الطبيعية، هي من خلال تناول كميات معتدلة من الأطعمة المتنوعة، وخصوصاً الخضروات والفواكه الطازجة، مع ضرورة استشارة الطبيب قبل اللجوء لابتلاع أية أقراص أو كبسولات.
د. أكمل عبد الحكيم