ربما يحتوي القطب الشمالي على ما يعادل خمس مخزون الاحتياطي العالمي من النفط والغاز الطبيعي الذي لم يكتشف بعد. ذلك ما أعلنته الوكالة الجيولوجية الأميركية يوم الأربعاء الماضي، لدى كشفها عن نتائج أوسع مسوحات من نوعها عن مخزون النفط في الدائرة الواقعة حول القطب الشمالي. ومنذ أمد بعيد ظلت تساور شركات النفط شكوك في وجود ثروات نفطية هائلة في تلك المنطقة، ما دفعها الى إنفاق مليارات الدولارات مؤخراً على أمل البدء بعمليات التنقيب عن موارد الطاقة هناك. وإثر ذوبان طبقات الجليد خلال السنوات الأخيرة الماضية، فتحت آفاق جديدة لعمليات التنقيب عن النفط والغاز في تلك المنطقة، والتي طال الاعتقاد بقسوتها وتمنعها عن التنقيب. وهذا ما يفسر تدافع الدول القطبية: الولايات المتحدة وكندا وروسيا، مع محاولة كل منها بسط سيطرتها على الثروات القطبية. وتؤكد المسوحات التي قامت بها الوكالة الجيولوجية الأميركية مؤخراً صحة تلك الشكوك، وما تخفيه من تزايد الاهتمام الاستثماري بالمنطقة القطبية. وتشير المسوحات إلى أن الجزء الأكبر من ثروات الطاقة الكامنة هناك، لا يوجد تحت السطح الجليدي القطبي، وإنما في المناطق الأكثر قرباً من الساحل، أي في المناطق المتنازع عليها حدودياً. وفي مؤتمر صحفي عقد يوم الأربعاء الماضي، قال دونالد إل.جوتيير، رئيس البعثة الجيولوجية التي أجرت المسوحات الأخيرة: "لم تعد احتمالات التنقيب عن ثروات النفط والغاز الطبيعي في منطقة القطب الشمالي، مجرد احتمالات فرضية، مثلما كان عليه الحال في الماضي. والسبب أن الجزء الأكبر من هذه الموارد يقع في الطبقة القارية وفي المناطق المتنازع عليها سلفاً". وتوصلت المسوحات التي استغرق إنجازها أربع سنوات، إلى احتمال احتواء سواحل القطب الشمالي على احتياطيات نفطية يقدر حجمها بنحو 90 مليار برميل، إلى جانب 1670 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي. وتعادل هذه الكمية تقريباً نسبة 13% من جملة احتياطيات موارد النفط العالمية، و30% من احتياطيات الغاز الطبيعي. وبحسابات الاستهلاك الحالي، والمقدر بنحو 68 مليون برميل يومياً، فإن موارد احتياطي النفط القطبي، تكفي لتلبية احتياجات العالم من النفط لحوالي ثلاث سنوات. وبالمقارنة، تعد احتياطيات الغاز الطبيعي القطبية أكبر من ذلك الرقم بثلاث مرات، وتعادل هذه الكمية احتياطيات روسيا المؤكدة من الغاز الطبيعي، مع العلم أنها الدولة الأولى عالمياً من حيث احتياطياتها من الغاز الطبيعي. ووصفت الوكالة الجيولوجية الأميركية في تقريرها عن المسوحات، المنطقة القطبية الشمالية بأنها "أكبر منطقة لمخزون البترول الكامن الذي لم يتم اكتشافه بعد". يذكر أن حجم الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط هو 1.24 تريليون برميل، أما احتياطي العالم من الغاز الطبيعي، فيصل 6263 تريليون متر مكعب. واهتم المسح الجيولوجي الأخير بما سماه "الموارد القابلة للمعالجة فنياً، والتي لم تكتشف بعد"، ويعني بها الموارد الكامنة التي يمكن تحويلها إلى موارد منتجة عن طريق استخدام التكنولوجيا الحديثة. ورغم أن نتائج المسوحات الأخيرة احتفظت بهامش من الشكوك في هذه الموارد، فإنها جاءت مؤكدة للاعتقاد السائد بين شركات النفط والطاقة، في أن تكون منطقة القطب الشمالي، الوجهة التالية لأوسع عمليات التنقيب عن موارد النفط والغاز الطبيعي على مستوى العالم. هذا وتقع ثالثة المناطق التي شملتها المسوحات، وهي التي تحتوي على 30 مليون برميل، قبالة ساحل ألاسكا. كما أكدت المسوحات كذلك الدور المهم الذي تلعبه روسيا، حيث تقع منطقتان من المناطق الغنية بالغاز الطبيعي في اثنتين من المحافظات الروسية، هما حوض سيبريا الغربي وحوض بارنتس الشرقي الواقع في المياه الإقليمية المشتركة بين روسيا والنرويج. وفي إطار حديثه عن ألاسكا قال جوتيير: "إنه المكان الأكثر بداهة، الذي يمكن الحديث عنه الآن فيما يتعلق بالشروع الفوري في عمليات التنقيب عن النفط. فمن المؤكد أن يتم العثور على كميات كبيرة من الثروات النفطية في هذه المنطقة". وخلافاً للطبقة القارية الواقعة أسفل 48 من الولايات الأميركية، يتسم ساحل ألاسكا بانفتاحه أمام عمليات التنقيب عن النفط. وخلال العام الحالي وحده، أنفقت شركات النفط والطاقة 2.6 مليار في إيجار عمليات التنقيب الحكومي الجارية هناك. ورغم التراجع الواضح في عمليات التنقيب في الجزء الشمالي المنحدر من ألاسكا، فإن الاعتقاد السائد بين عامة السكان، أن منطقة ألاسكا سوف تشهد ازدهاراً مؤكداً في هذه العمليات، نتيجة لتزايد نشاط وحركة الشركات المستثمرة في أجزاء أخرى من ألاسكا. وعلى أية حال، فقد شرع السكان المحليون، وكذلك المنظمات الناشطة في مجال حماية البيئة، سلفاً في تنظيم الاحتجاجات ضد أعمال الحفر الجارية في تلك المناطق. ويذكر أن المسوحات المشار إليها آنفاً، اعتمدت على ما تم التوصل إليه في مجموعة واسعة ومتنوعة من المصادر، شملت البيانات الحكومية والخاصة، التي تم جمعها من كل من الدنمارك وجرينلاند والنرويج وروسيا والولايات المتحدة الأميركية وكندا. جاد معوض كاتب أميركي متخصص في قضايا الطاقة ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"