لطالما اختلف العلماء والباحثون حول أهمية الدور الذي تلعبه العوامل الاجتماعية والبيئية، مقارنة بأهمية الدور الذي تلعبه العوامل البيولوجية والوراثية، في تحديد سلوكيات الشخص، وفي احتمالات إصابته بالأمراض والعلل. هذا الجدل حسم إلى حد كبير الأسبوع الماضي، مع نشر منظمة الصحة العالمية لنتائج دراسة استغرقت ثلاثة أعوام، بهدف تحديد أثر المقررات أو المحددات أو الظروف الاجتماعية (Social Determinants) على صحة الفرد، والمجتمع ككل. وحسب هذه الدراسة، فإنه يقدر لطفلة ولدت في اليابان، أن يزيد متوسط عمرها باثنين وأربعين عاماً مقارنة بطفلة ولدت في إحدى دول أفريقيا جنوب الصحراء. ويقدر للأطفال الذين ولدوا في أحد الأحياء الثرية في مدينة جلاسجو الإسكتلندية، أن يعيشوا لفترة تزيد بثمانية وعشرين عاماً، عن متوسط أعمار أطفال ولدوا على بعد بضعة كيلومترات في أحد الأحياء الفقيرة في نفس المدينة. ومثل هذه الفروق الهائلة في متوسط العمر، لا يمكن تفسيرها على أساس العوامل البيولوجية أو الوراثية فقط، وهو ربما ما يجعل العوامل الاجتماعية أو البيئية هي أكثر القوى تأثيراً في احتمالات الصحة والمرض والوفاة. وقد أكدت دراسة منظمة الصحة العالمية هذه الحقيقة من خلال اكتشاف علاقة طردية بين مستويات الفقر وبين الحالة الصحية للفرد والمجتمع. فكلما ازداد فقر الشخص، كلما انخفض متوسط عمره، وارتفعت احتمالات وفاته المبكرة. ولا تقتصر هذه العلاقة على الدول الفقيرة فقط، بل تشمل أيضاً الدول الغنية. ففي إندونيسيا مثلاً، التي تعتبر من بين الدول الفقيرة، تموت الأمهات الأشد فقراً فيها بنسبة تبلغ ثلاثة أو أربعة أضعاف الوفيات بين الأمهات الأفضل حالاً نسبياً. وفي الدول الغنية لا يختلف الحال كثيراً، حيث تبلغ نسبة الوفيات بين سكان حي فقير في لندن مرتين ونصف ضعف الوفيات في حي آخر ثري لا يبعد إلا كيلومترات قليلة عن الحي الفقير. وقد يخطئ البعض عندما يعتقد أن الفقر، وما يؤدي إليه من ضعف في الخدمات الصحية العامة، هو السبب الوحيد في تلك الوفيات، أي أن فقراء العالم الثالث يموتون لمجرد عدم توافر الرعاية الصحية الكافية. وهذا الاستنتاج، وإن كان صحيحاً إلى درجة كبيرة، إلا أنه لا يفسر الفروق الهائلة في متوسط العمر بين سكان نفس الدولة، وخصوصاً إذا ما كانت هذه الدولة تتمتع بنظام صحي اشتراكي يوفر نفس الرعاية الصحية للفقراء والأغنياء على حد سواء، كما هو الحال في بريطانيا. فسكان الأحياء الفقيرة في لندن وجلاسجو، يتمتعون برعاية صحية متطابقة، ومجانية، من خلال نظام الرعاية الصحية البريطاني (National Health System)، الذي يعتبره الكثيرون من أفضل نظم الرعاية الصحية العامة في العالم على الإطلاق، وعلى رغم ذلك تتباين متوسطات العمر واحتمالات الوفاة بينهم بشكل كبير. والخطأ الآخر الذي يقع فيه الكثيرون، هو الربط بين مدى تقدم الرعاية الصحية والتكنولوجيا الطبية، وبين انخفاض متوسط العمر، وارتفاع احتمالات الوفاة المبكرة. أي أن الكثيرين يعتقدون أن الدول التي تتمتع بتكنولوجيا طبية متقدمة، ويحقق أطباؤها وعلماؤها اختراقات علمية مستمرة، كما في الولايات المتحدة مثلاً، يتمتع أفرادها على وجه العموم بمتوسط عمر أعلى. والحقيقة هي أن الإحصائيات الطبية تظهر أن الاختراقات والاكتشافات الطبية ما بين عامي 1991- 2000 قد نجحت في إنقاذ حياة 177 ألف شخص في الولايات المتحدة. وفي المقابل شهدت نفس الفترة وفاة 887 ألف أميركي، ليس لسبب آخر سوى المحددات الاجتماعية التي كانوا يعيشون فيها. ولكن ما هي بالتحديد المقررات أو المحددات الاجتماعية تلك، التي تعجز أمامها أحدث الاختراقات الطبية، وتفشل النظم الصحية الاشتراكية المجانية في محو آثارها؟ من الصعب الإجابة على مثل هذا السؤال بطريقة مباشرة وبسيطة، ولذا فلابد أن نلجأ هنا لضرب بعض الأمثلة، أو المخاطر الصحية التي ترتبط بفئات اجتماعية معينة. فمثلاً، ينتشر استخدام المخدرات رخيصة الثمن، وسامَّة المفعول، بين الفئات الفقيرة من المجتمع. وفي نفس الوقت أصبح تدخين السجائر واسع الانتشار بين الفئات الأقل ثقافة، بعد أن كان يرتبط يوماً ما بالأثرياء والمثقفين. وهذان المثالان يظهران لنا أن مستويات التعليم والثقافة، تعتبر من أهم المحددات الاجتماعية تلك. والعامل الآخر في هذه المجموعة، هو التوتر. فمن المعروف أن الفئات الأقل حظاً في المجتمع، يعيش رجالها ونساؤها في حالة من التوتر المزمن، بسبب قلقهم وخوفهم من المستقبل. والثابت والمؤكد أن التوتر، وخصوصاً المزمن منه، يؤدي إلى آثار سلبية خطيرة على العديد من أجهزة الجسم وأعضائه. وينتشر الاكتئاب، أو الحالة الأخف منه والمعروفة بين العامة بـ"القرف" المستمر، أيضاً بين أفراد الفئات الدنيا من المجتمعات، بسبب العوائق والمشاكل التي يواجهونها بشكل يومي في حياتهم. هذا بالإضافة طبعاً إلى أن ضعف الموارد المالية لأفراد تلك الفئات المجتمعية، يضطرهم للجوء إلى أغذية رخيصة غير صحية، مما يصيبهم بالسمنة وانسداد الشرايين، ومن ثم الجلطات الدموية والذبحات الصدرية. وخصوصاً أن هؤلاء الأفراد لا يدرجون التمارين الرياضية أو الذهاب إلى "الجيم" ضمن روتين حياتهم اليومي. وهو ما يعني أن المحددات الاجتماعية تلك، ما هي إلا ظروف مادية، تعليمية، ثقافية، صحية، يعيش فيها الكثير من أفراد الجنس البشري حالياً، وتؤدي في النهاية إلى تقليص مدة أعمارهم، في شكل من أشكال الظلم الصحي الناتج عن الظلم الاجتماعي. د. أكمل عبد الحكيم