المعرفة بين العلم والدين والفلسفة
هل يمكن للإنسان أن يدرك شيئاً ليس موجوداً؟ يبدو أن هذا ما ينطلق منه الأستاذ أبو يعرب المرزوقي في مداخلته. في إطار الحوار أنا أفترض أن المعلومة هي موضوع الإدراك، سواء أكانت هذه المعلومة فكرة مجردة أم شيئاً يتم التعبير عنه من خلال فكرة مجردة. المعرفة من ناحية أخرى هي إدراك للمعلومة في صيغة فكرية معينة. قد تكون هذه الصيغة دينية أو فلسفية أو علمية. يبدو أن المسألة ليست كذلك بالنسبة للمرزوقي. بالنسبة له تتخذ المعلومة صيغة واحدة. وبالتالي فالمعرفة (الإدراك) تسبق المعلومة، موضوع الإدراك. لتأكيد ذلك يقول إن العلم "ليس المنهج الذي ينقل المعلومة إلى منزلة المعرفة، بل هو الذي يضع خطة معرفية تبدع المعلومة". هنا عكس صاحبنا المعادلة رأساً. المعرفة هي النظرية، أو التفسير. وهدف العلم الأساسي إنتاج المعرفة وليس المعلومة، وذلك وفقاً لخطة علمية. لكن كل خطة تحتاج إلى معطيات أولية لتصميمها: تحتاج إلى إشكالية مركزية تنطلق منها، (العلم يبدأ بسؤال وليس بيقين مسبق)، وتحتاج إلى فرضيات على أساسها تمكن معالجة الإشكالية. وحتى تكون الإشكالية علمية يجب أن تتضمن أكثر من إجابة، وليس إجابة واحدة مسبقة. كيف يمكن صياغة الإشكالية، وصياغة الفروض لمعالجتها من دون معلومات أولية؟ الملاحظة هي الأداة التي من خلالها يحصل العالم أو الباحث على معلومات يصيغ على أساسها إشكالية الدراسة. والمعلومة لا غنى عنها بعد ذلك لاختبار فرضيات الدراسة، من خلال قياس المتغيرات التي تتكون منها إشكالية الدراسة وفرضياتها. هذا يعني أن كل موضوع غير قابل للملاحظة يقع خارج نطاق المنهج العلمي. كيف يمكن في هذه الحالة أن تكون المعرفة أو الإدراك سابقاً على المعلومة، إلا في صيغة فكرية معينة استندت منذ البداية على معلومات أولية؟
هل يعني هذا، كما يتصور المرزوقي، أن العلم الذي من خلاله تتحقق المعرفة على أساس من المعلومة لا ينتج معلومة أيضاً؟ والإجابة لابد أن تكون بالنفي. لأن العلم، ومن خلال إنتاجه للمعرفة ينتج معلومة أيضاً، بل معلومات. فالمعرفة، من حيث إنها تفسير للعلاقة بين مجموعة من المعلومات أو الملاحظات، هي الصيغة النسقية المنتظمة للمعلومة، أو صيغة العلاقة بين مجموعة معلومات، وبالتالي هي الشكل الأكثر تعقيداً والأكثر تقدماً للمعلومة. يمكن الافتراض بأن المعلومة الأولية أو البسيطة والأساسية هي المعلومة الخام، أو مجموعة معلومات متناثرة، قبل أن تتضح بشكل علمي صيغة العلاقة أو العلاقات التي تنتظمها وتربط فيما بينها. المعرفة، في هذه الحالة نقل لتلك المعلومات إلى مرحلة تكشف ما يربط بينها من علاقات سببية انطلاقاً من مقدمات معينة، ويتم تقديمها من خلال نسق معرفي معين يفصح عن طبيعة هذه العلاقات بما يسمح بتفسير معناها ودلالتها داخل هذا النسق المعرفي. المعرفة بهذا المعنى، أو كتفسير للمعلومة، يمثل بحد ذاته معلومة أو معلومات جديدة، لكن بصيغة فكرية معينة. مثلاً حجم السكان، ومتوسط دخل الفرد، والتركيبة الاجتماعية، وشكل الدولة، وهيمنة تيار فكري معين، كل هذه وغيرها معلومات أولية، وتأخذ على هذا المستوى معنى معيناً. يأتي البحث العلمي ليكشف طبيعة العلاقة فيما بينها في مجتمع معين، وخلال فترة زمنية معينة، ومن ثم تفسير ترابطها في صيغة اجتماعية وسياسية معينة. تكون المعلومات قد انتقلت إلى مستوى معرفي آخر. وهذا يمثل، ليس إضافة معرفية وحسب، بل إضافة معلوماتية أيضاً. لا أدري لماذا، وعلى أي أساس استنتج الأستاذ المرزوقي أنني أفترض مسبقاً أن المعلومة محصورة في كونها معطى للعلم، ولا يمكن أن تكون أحد منتجاته؟ المعلومة هي من ناحية معطى لا غنى عنه لإنتاج المعرفة. وهي من ناحية أخرى، أحد منتجات المعرفة. وذلك لأن العلاقة بين الاثنين هي علاقة جدلية، علاقة استمرار وتوالد متواصل وليست علاقة بين مراحل معرفية منفصلة عن بعضها.
نأتي إلى الفرضية الثانية التي يقول المرزوقي إنني أفترضها في تعريفي للعلم، وهي أن "النقلة من المعطى إلى المعرفة ذات منهج واحد هو العلم". وقد أخطأ صاحبنا مرة أخرى هنا. فليس في تعريفي للعلم ما يفيد أنه المنهج الوحيد الذي يحول المعلومة إلى معرفة. مقتضى هذا التعريف أن العلم هو أحد المناهج، وليس المنهج الوحيد، لكنه أفضل المناهج وأكثرها دقة ومصداقية. ولو تعامل المرزوقي مع التعريف على هذا الأساس لربما كانت له نظرة مختلفة. فالدين منهج آخر، والفلسفة منهج ثالث، وقد ذكرت ذلك من قبل. وفي ظني أن الفلسفة أقرب إلى العلم من الدين. لأن الفلسفة تشترك مع العلم في أن مرجعيتها الأخيرة هي سلطة العقل، وليس سلطة الوحي والتقليد. والفلسفة مثل العلم تبدأ بالسؤال لننتهي إليه. ولا غرابة في ذلك لأن الفلسفة هي أم العلوم، وليس الدين. سبب هذا الاختلاف بين العلم والفلسفة من ناحية، والدين من ناحية أخرى واضح، وهو أن مرجعية الدين في الأخير تعود وبشكل نهائي لسلطة الغيب، وسلطة التقليد، والتي غالباً ما تكون مرتبطة بالسلطة السياسية. الوحي، والإيمان المسبق، والغيب، ثم التأويل الثقافي للغيب، هي ما يشكل مكونات المنهج الديني. يأتي بعد ذلك العقل، لكن داخل هذا الإطار الإيماني المسبق، وداخل الإطار المؤسساتي للدين. بعبارة أخرى، وجود البعد العقلاني في الدين مقيد بحدود الوحي وبفرضية الإيمان. فالعقلانية هنا ليست عقلانية السؤال، والنقد والبرهان، وإنما عقلانية لعقل أو استيعاب ماهية الإيمان، وتبرير ضرورته كمنطلق وإطار للمعرفة.
كل التمايزات التي ذكرها المرزوقي، وبالتفصيل، بين الأديان صحيحة، لكن بشرط وضعها داخل هذا الإطار المعرفي أولاً، وبأنها تمايزات في تطبيق المنهج وليس في المنهج الديني ذاته، ثانياً.
الغريب أن المرزوقي انتهى في أواخر مداخلته إلى ما يتناقض مع ما قاله في بدايتها حول العلاقة بين الدين والعلم. في البداية اعتبر أن دعوى الفصل بين الدين والعلم إشكالية زائفة لأنه ليس هناك، حسب علمه، من يقول بـ"بوحدة الدين والعلم، بمعنى أنهما شيء واحد أو حتى من نفس الطبيعة..."، لكنه يأتي بعد مجادلة مستفيضة، مستعيناً في ذلك بابن خلدون، لنقض فرضيات من عندياته تخيل أنني أنطلق منها، لينتهي إلى أن "العلم بكل أصنافه جزء من أجزاء الدين..." (هكذا). كيف يكون العلم جزءاً من الدين وهو يختلف عنه في المنطق، والهدف والمنهج؟ ثم كيف يكون العلم من طبيعة مختلفة عن الدين، وفي الوقت نفسه جزءاً من الدين؟ هنا تبدو مداخلة المرزوقي مضطربة. يقول الشيء ونقيضه. فطبيعة الدين أحياناً تختلف عن طبيعة العلم، ومرة أخرى هو أسمى من العلم، ومرة ثالثة يصبح العلم جزءاً من الدين. يأخذ علي المرزوقي أنني استشهدت ببرتراند راسل لأن التطورات تجاوزته. ثم يأتي هنا ويستشهد بابن خلدون. فاته أن راسل توفي في سبعينات القرن الماضي، بينما توفي ابن خلدون قبل حوالي سبعمائة سنة.
في السياق ذاته، يؤكد المرزوقي أن المسلّمات العقدية للدين لا تختلف في شيء عن المسلّمات الأساسية للعلم. ولتأكيد ذلك أشار إلى أن العالم لابد أن يسلم بأساسين لا يستطيع إثباتهما رغم أن عمله العلمي غير ممكن من دونهما. هذان الأساسان هما: أولاً أن "الوجود في الأعيان لموضوعات العلم حاصل فعلاً وله نظام يجعله قابلاً لأن يكون معلوماً". ثانياً أن "الوجود في الأذهان ليس أضغاث أحلام، بل هو قابل فعلاً لأن يقدم من الموجودات في الأعيان صورة معرفية تقرب من حقائقها". لاحظ أن الأساس الأول يؤكد "أن الوجود في الأعيان قابل لأن يكون معلوماً". معنى ذلك أن عدم كونه معلوماً الآن لا يعني أنه لا يمكن أن يكون معلوماً غداً أو بعد غد. الأمر نفسه ينطبق على المسلمة الثانية. وهو ما يتفق تماماً مع طبيعة المنهج العلمي وقابليته للتطور غير المحدود ضمن شروطه وفرضياته الأساسية. هل يمكن بأي صورة من الصور أن نقول الشيء نفسه أو قريباً منه عن المسلّمات العقدية للدين؟ المسلّمات الدينية نهائية، وغير قابلة للإدراك أو البرهان، ولا يمكن إلا أن تكون كذلك. المنهج الديني غير قابل للتطور، لأنه يرفض السؤال. وبالتالي ليس صحيحاً على الإطلاق ادعاء تشابه المسلّمات بين الاثنين. بل هو ادعاء يحمل خطورة الخلط بينهما، تحت شعار البحث عن تبرير ديني للعلم، أو التنويه بعقلانية الدين من خلال تشبيهه بالعلم.