كانت سنة 2000 من السنوات العصيبة بالنسبة لمدينة (ندومو) بجنوب أفريقيا، والتي تقع على حدودها مع موزمبيق. ففي ذلك العام، وبينما كانت أنظار العالم بأسره مركزة على مرض الإيدز، حضر ما يقرب من 7000 شخص إلى العيادة الخارجية لمستشفى المدينة، وهم يعانون من أعراض الملاريا. وعلى الفور، قام المسؤولون في المستشفى بالاتصال بالجهات المختصة في القوات المسلحة، التي تحرك رجالها إلى المستشفى، وقاموا بنصب الخيام خارج العيادة الخارجية لمعالجة المصابين. ولم يقتصر الأمر على المستشفى المحلي في تلك المدينة، حيث استقبل مستشفى المقاطعة، الذي يقع على مسافة 30 ميل ،آلاف المرضى الذين يعانون من الصداع والوهن والحمى، وهي الأعراض التي تصاحب الإصابة بمرض الملاريا عادة.
واليوم نجد أن مرض الملاريا قد اختفى أو كاد من مدينة (ندومو). ولكن ذلك لا ينطبق للأسف على عدد كبير من الدول الأفريقية، التي تشهد زيادة مطردة لهذا المرض. وقد تمكنت جنوب أفريقيا من التغلب على الملاريا عن طريق استخدام وسيلة بسيطة للغاية- وتقليدية في الوقت نفسه- وهي رش الجدران الداخلية للمنازل مرتين سنويا بأحد المبيدات الحشرية. وعلى رغم وجود أنواع عديدة من المبيدات التي يمكن استخدامها لمقاومة الملاريا، إلا أن جنوب أفريقيا قد اختارت أكثرها فعالية، وأرخصها ثمنا (تعادل تكلفته ربع تكلفة المبيدات الأخرى) ألا وهو المبيد الحشري المعروف باسم
Dichloro- Diphenyl – Dichloromethane والذي يرمز إليه على سبيل الاختصار بالدي دي تيDDT.
وعلى رغم أن مبيد الدي دي تي هو السلاح الأساسي لجنوب أفريقيا في مواجهتها لهذا المرض الخطير.. فإننا نجد أن الوضع مختلف في الولايات المتحدة الأميركية، حيث ينظر الأميركيون إلى مبيد الدي دي تي على أنه من المواد القاتلة، بل وأنه يمثل أخطر المبيدات الحشرية على صحة البشر. وقد وصل عدم ثقة الأميركيين بتلك المادة إلى حد قيام السلطات بمنع استخدامها رسميا عام 1972. قبل ذلك التاريخ كان الأميركيون يقومون باستخدام تلك المادة على نطاق واسع في رش الحقول المزروعة بالقطن وغيره من المحاصيل. ولكن الآثار التي ترتبت على تكثف تلك المادة وبقائها معلقة في النظام الأيكولوجي، وما أدى إليه ذلك من موت أعداد هائلة من الطيور والأسماك، أصبحت في نظر الكثير من المشرعين دليلا لا يرقى إليه الشك على مدى المخاطر التي يمكن أن تنجم عن العبث بالطبيعة. وفي الحقيقة، إن الشيء الذي يستحق منا أن نغضب بشأنه ليس هو أن جنوب أفريقيا لازالت تستخدم هذه المادة- هي وخمس دول أخرى- للسيطرة على وباء الملاريا و10 أوبئة أخرى غيرها ، وإنما هو أن هناك عشرات من الدول الأخرى التي لا تقوم باستخدام هذه المادة لمكافحة الملاريا. نقول ذلك، لأن الكثيرين منا ينسون أن الملاريا، وإن كانت قد اختفت من العالم المتقدم، إلا أنها لا تزال منتشرة على نطاق واسع في أفريقيا، حيث تتسبب في مصرع قرابة مليوني إنسان سنويا، معظمهم من الأطفال.. وأنها كانت - قبل ظهور مرض الإيدز في عام 1999- تمثل المرض الرئيسي القاتل في القارة الأفريقية.
وعلى رغم أنه لا يوجد في الوقت الراهن مصل للوقاية من الملاريا، وعلى رغم أن كل ما يستطيع المسافرون إلى البلدان التي يحتمل انتشار الملاريا بها أن يفعلوه قبل السفر إليها، هو أن يتعاطوا أدوية واقية من عدوى المرض Prophylactic medicine للوقاية من الإصابة بالملاريا.. إلا أن المشكلة هنا تكمن في أن درجة السُميّة العالية لتلك الأدوية، لا تسمح بتعاطيها لفترة طويلة بواسطة السكان المحليين.
ومن المعروف أن السلطات في البلدان المتقدمة لم تكتف بحظر استخدام مبيد الدي دي تي فقط ، وإنما قامت أيضا بحظر تداول ونقل العديد من المواد التي تدخل في تركيب ذلك المبيد.
لذلك لم تجد الدول الأفريقية (باستثناء جنوب أفريقيا، وعدة دول غيرها) من وسيلة أمامها لمكافحة الملاريا سوى الاعتماد على هبات الدول الغنية لمقاومة انتشار ذلك المرض بها. وحدث في حالة واحدة فقط - وهي حالة إريتريا- أن تم اللجوء إلى استخدام تلك الهبات في تمويل استخدام مادة الدي دي تي، على الرغم من أن الجهات المانحة، اشترطت على الدول المستلمة للهبات، أن تقوم باستخدام تلك الهباب من أجل البحث عن بدائل لمادة الدي. دي. تي.
وهناك أسباب عديدة لتقليص استخدام مبيد الدي دي تي.. منها على سبيل المثال لا الحصر، الطريقة التي يتم رشه بها. فاستخدام رشاشات منزلية لرش المبيد للوقاية من بعوضة الملاريا، يصلح للاستخدام في المنازل التي تتسرب إليها تلك الحشرة، وتقوم بلصق نفسها على جدرانها لفترة طويلة من الوقت، ولكنه لا يصلح بالتأكيد لمقاومة البعوض الذي ينتشر على نطاق واسع في الأماكن المفتوحة. بالإضافة إلى ذلك، فإن مكافحة انتشار البعوض في تلك الأماكن، يتطلب وجود حكومات قادرة على تنظيم وتدريب الناس، ولديها الإمكانيات المادية التي تمكنها من تزويدهم بالوسائل اللازمة لرش المبيد، وهو ما قد لا يتوافر لدى العديد من الدول،


