ما عليك سوى أن تقوم بتشغيل تلفازك هذه الأيام، كي ترى صور شبان عراقيين يرقصون على بقايا سيارات "هامفي" محترقة، أو لشبان مكسيكيين يتسللون عبر فتحات الأسلاك الشائكة الموجودة في مناطق الحدود مع الولايات المتحدة الأميركية، كما سترى أيضا جنوداً ليبيريين صبية يلوحون بالبنادق، وأطفالا فلسطينيين يلقون الحجارة. لذلك ليس هناك ما يدعو للدهشة في أن يتولد انطباع لدى العديد من الأميركيين، مؤداه أن النمو السكاني في دول العالم الثالث يشكل خطرا كبيرا على الاستقرار العالمي.
بيد أن تلك الصور لا تظهر سوى ما يدور على السطح، أما ما يدور في الأعماق، ويمثل حقيقة سكانية أساسية فيغيب عنها عادة. فالجميع تقريبا يعرفون أن الولايات المتحدة وغيرها من الدول الصناعية في الغرب، أصبحت تضم مجتمعات شائخة، أو بمعنى آخر مجتمعات تتزايد فيها أعداد المواطنين من كبار السن باستمرار.
ففي أوروبا، أصبحت أعداد المسنين تفوق أعداد الشباب بكثير.. وبحلول منتصف القرن الحالي سوف تفوق نسبة السكان المسنين في الولايات المتحدة بأسرها نسبتهم الحالية في ولاية فلوريدا. بيد أن أكثر المجتمعات في العالم اتجاها نحو الشيخوخة اليوم، وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة، وإحصائيات مركز الإحصاء السكاني الأميركي وغيرها. هي ذاتها نفس الأماكن التي ترتبط اليوم بالزيادات الكبيرة في أعداد السكان من الشباب المسببين لعدم الاستقرار، والتي يأتي على رأسها الشرق الأوسط، الذي تشير تلك الإحصائيات إلى أنه يعد من أسرع المناطق السائرة نحو الشيخوخة في العالم!.
ففي إيران على سبيل المثال، نجد أن نسبة الزيادة في أعداد المسنين تفوق تلك الموجودة في أميركا بأربع مرات. ويذكر في هذا السياق أن الأمر قد تطلب من الولايات المتحدة خمسين عاما كاملا كي يرتفع متوسط العمر فيها من 30 عاما إلى 35 عاما، وأنه سيستغرق خمسين عاما أخرى كي يرتفع من 35 إلى 40 عاما. وفي الوقت الذي يزداد فيه متوسط العمر في الولايات المتحدة كل خمس سنوات، فإن متوسط العمر في إيران سوف يزداد كل عشرين سنة، حيث سيصل إلى 2 ,40 بحلول منتصف القرن الحالي، وفقا لتقديرات الأمم المتحدة.
بالطريقة نفسها، نجد أن نسبة الزيادة في متوسط أعمار السكان في المجتمع المصري أصبحت تفوق تلك الموجودة في أميركا ثلاث مرات، وأن نسبتها في المجتمع العراقي أصبحت تزيد عن مثيلتها في أميركا بمقدار مرتين ونصف المرة. وفي الحقيقة أنه أينما توجهنا بالنظر إلى أي مكان في العالم النامي، فإننا سنجد انتشار نفس النمط.
وتشير التقديرات إلى أنه ما بين عامي 2000 و 2050، سوف يزداد متوسط أعمار سكان المكسيك 20 عاما. ففي عام 2050 سوف يصل متوسط الأعمار هناك إلى 42 عاما، وهو ما سيجعل متوسط العمر في المكسيك أعلى من مثيله لدى جارتها الشمالية " الولايات المتحدة". ووفقا للاتجاهات الحالية فإن 30 في المئة من مجموع سكان الصين سوف يبلغ عمرهم أكثر من 60 عاما بحلول منتصف القرن الحالي. وحتى أفريقيا أصبحت تشيخ بمعدل يفوق المعدل الأميركي بمقدار الضعف تقريبا.
إن دولا مثل فرنسا واليابان حظيت على الأقل بفرصة كي تزداد ثراء وغنى قبل أن تزداد شيخوخة. أما الآن فإننا نجد أن المجتمعات النامية أصبحت تزداد شيخوخة قبل أن تتاح لها الفرصة لأن تصبح ثرية.
لماذا يحدث هذا؟ يحدث هذا في المقام الأول نتيجة للتناقص الدراماتيكي في معدلات الخصوبة في جميع أنحاء العالم تقريبا.
فنظرا لقيام قطاعات متزايدة من سكان العالم بالانتقال للحياة في المناطق الحضرية التي لا يعتبر إنجاب الكثير من الأطفال فيها مفيدا اقتصاديا لأهلهم مثلما هو عليه الحال عادة في الريف، ونظرا لأن المرأة في مثل تلك المجتمعات تحصل على فرص للعمل، وتتأثر ببرامج تنظيم الأسرة، فإن العائلات المقيمة في المناطق الحضرية أصبحت تميل إلى إنجاب عدد أقل من الأطفال.
ولا توجد هناك دولة صناعية واحدة تقوم الآن بإنجاب العدد الكافي من الأطفال الذي يسمح بإدامة سكانها. فحتى في البلدان التي لا زالت معدلات الخصوبة فيها عالية، فإن التناقص الدراماتيكي في أعداد الأطفال المولودين لكل امرأة، سوف يقود إلى تناقص حاد في النمو السكاني، كما سيؤدي أيضا إلى زيادات غير مسبوقة في متوسط أعمار السكان.
على رغم ذلك، يمكن القول إن هبوط معدل الخصوبة على مستوى العالم يحقق عددا من المنافع. ففي نفس الوقت الذي يحدث فيه نوع من التناقص النسبي في عدد الأطفال الذين يتم إنجابهم، فإنه يحدث أيضا هبوط في حجم العبء الذي يتحمله الآباء والأمهات في إعالة أطفالهم.
وإذا ما تطلعنا إلى العقد القادم، فإن "متوسط زيادة الأعمار" في دول الشرق الأوسط، سوف يخفف من معدل الاعتماد على الدول في المنطقة، مما يؤدي بدوره إلى تحرير المزيد من الموارد، التي يمكن استغلالها في تطوير البنيات التحتية وتحقيق النمو الصناعي. وقد يؤدي ذلك، بدوره إلى تقليل الجاذبية التي تتمتع بها الراديكالية حاليا في المنطقة، وذلك عندما يصبح الجيل المهيمن في تلك