في وقت ترتفع فيه الأصوات حول العالم داعية إلى تقديم المساعدات وعدم التردد في دعم المناطق المنكوبة والشعوب المحاصرة بالحروب والكوارث، يثور التساؤل حول طبيعة تلك المساعدات ومدى فعاليتها في الميدان، لاسيما في ظل اتهامات توجه إلى المؤسسات المسؤولة عن تدبير المساعدات وتوزيعها بالخضوع لإرادة قوى أكبر منها ومساهمتها بطريقة غير مباشرة في استدامة الصراعات وتغذيتها. هذه التساؤلات القلقة تثيرها الكاتبة والصحفية الهولندية "ليندا بولمان" في كتابها الذي نعرضه هنا، "ألعاب الحرب: قصة المساعدات والحرب في الأزمنة المعاصرة". فرغم الأموال الطائلة التي تنفق سنوياً على المساعدات الموجهة للتخفيف من معاناة المدنيين في الحروب، أو لرعاية اللاجئين من الكوارث والصراعات، وتحول العمل التطوعي إلى صناعة قائمة بذاتها تشرف عليها منظمات غير حكومية... رغم كل ذلك تبقى المجاعة والفقر سائدين على نطاق واسع، وكأن مليارات الدولارات التي توزع على المتضررين ليست سوى حل ترقيعي ومؤقت لا يعالج الجذور الحقيقية للصراعات. ومما يزيد حدة الأسئلة المحيطة بالعمل الإنساني، كما بات يسمى، وفعاليته على أرض الواقع، بعض التقارير الإعلامية مثل البرنامج الوثائقي الذي أعدته مؤخراً هيئة الإذاعة البريطانية، "بي بي سي"، حول الأموال الطائلة التي خصصتها إحدى المنظمات الإنسانية خلال الثمانينيات لمساعدة إثيوبيا على مواجهة المجاعة، لينتهي بها المطاف في أيدي المتمردين. وفي السياق نفسه يسلط الكتاب مزيداً من الضوء على صناعة المساعدات الإنسانية، وقدرتها الحقيقية على الاستجابة للتحديات المطروحة على الساحة الدولية الحبلى بالصراعات والكوارث الطبيعية. فكما تشير المؤلفة، تحولت عمليات الإغاثة الإنسانية إلى صناعة هائلة قائمة بذاتها، حيث بلغت الأموال التي تنفقها دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على حالات الطوارئ، في عام 2008 أزيد من 11 مليار دولار دون احتساب قيمة المساعدات التي تجمعها منظمات أخرى غير حكومية. هذا في وقت تنامت فيه أعداد المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال توزيع المساعدات على المناطق المنكوبة، وتصاعدت وتيرة عملها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث سُجلت أكثر من أربعين منظمة في تايلاند خلال الثمانينيات تقدم العون للاجئين الكمبوديين ليقفز العدد إلى ألفي منظمة في أفغانستان خلال السنوات الأخيرة تشرف جميعها على توزيع المساعدات وإقامة مشاريع الإعمار. وحسب البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة، يفوق عدد المنظمات غير الحكومية التي تنشط حالياً في العالم 37 ألف منظمة. ولفهم طريقة عمل تلك المنظمات والمبادئ التي تأسست عليها، تعود بنا الكاتبة إلى القرن التاسع عشر الذي شهد ولادة ثقافة العمل الإنساني بمفهومه الحالي، وذلك على أيدي شخصين اهتما بالنشاط الإنساني، أحدهما السويسري "هينري دونات"، والثاني بريطاني الجنسية يدعى فلورينس نايتينجل. وقد كانت وراء اهتمامهما بالعمل الإنساني الحروب التي شهدتها أوروبا في تلك الفترة ورغبتهما في تقديم الدعم لضحاياها، لكنهما اختلفا في المقاربة، فبينما حمل البريطاني، نايتينجل، مسؤولية تقديم المساعدات للحكومات باعتبارها الطرف الذي يشن الحروب وطالبها بعدم التملص من واجبها في رعاية ضحايا الحرب الذين كان معظمهم من المحاربين، اعتمد السويسري، دونات، على العمل التطوعي وعلى الهيئات غير الحكومية، حيث أسس في عام 1863 اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتقديم المساعدات على أساس المبادئ الثلاثة المعروفة وهي: الحياد والنزاهة والاستقلالية. لكن الكاتبة تنتقد هذه المبادئ وترى أن المقاربة التي تبنتها المنظمات غير الحكومية، والقائمة على عدم التدخل والانفصال التام عن الواقع، جعلتها ضحية سهلة للاستغلال السياسي من قبل الأنظمة، وهو ما نتج عنه في المحصلة النهائية استدامة الصراعات والحروب. وقد فاقمت من هذا الوضع، تقول الكاتبة، المنافسة بين المنظمات لاستقطاب أنظار الرأي العام بحثاً عن الاهتمام والتمويل الضروري لاستمرارها في العمل. وأكثر من ذلك، تنتقد المؤلفة وسائل الإعلام لتعاميها عن أخطاء المنظمات غير الحكومية وجوانب القصور في عملها مقابل السماح لها بدخول مخيمات اللاجئين التي تشرف عليها لإعداد تقاريرها. ويبقى أخطر ما تأخذه "بولمان" على منظمات العمل الإنساني، تداخلها مع سياسات القوى الغربية؛ مثلما حصل في العراق وأفغانستان حيث تحولت المنظمات غير الحكومية إلى أدوات بيد الولايات المتحدة لاستكمال إعادة الإعمار، ولتختفي بذلك الحدود الفاصلة بين العمل الإنساني والنشاط السياسي الذي يرهنها لأجندة الدول ويقوض استقلاليتها، وهو أمر يعرضها للاستهداف من قبل المسلحين، كما يهدد حياة موظفيها الذين ينظر إليهم كمتعاونين مع قوة الاحتلال. زهير الكساب الكتاب: ألعاب الحرب: قصة المساعدات والحرب في الأزمنة المعاصرة المؤلفة: ليندا بولمان الناشر: فايكينج تاريخ النشر: 2010