تفصلنا أيام فقط عن التطبيق العملي لتخفيف قيود نظام الكفيل المطبق حاليّاً في دولة الإمارات، فقد أعلنت وزارة العمل بأن للعامل الأجنبي أن يغير صاحب عمله بشروط حيث سيمكن الإجراء الجديد العامل من أن يغير صاحب عمله دون انتظار لستة أشهر و"من دون موافقة كفيله"، بشرط أن يعمل الطرفان المتعاقدان على فسخ العقد بينهما وديّاً، وأن يكون العامل عمل لدى صاحب عمله مدة سنتين على الأقل، وسيحصل العامل الأجنبي، في غياب فسخ العقد وديّاً، على إجازة عمل جديدة إذا تخلف صاحب العمل عن واجباته التعاقدية والقانونية، أو إذا ثبت أن العامل ليس مسؤولاً عن فسخ العقد. لقد أصبحت الإمارات الدولة الخليجية الثالثة التي تتجه لإلغاء نظام الكفالة، بعد البحرين التي ألغته فعليّاً في أغسطس 2009، والكويت التي أعلنت من قبل عن عزمها إلغاء العمل تدريجيّاً بنظام الكفيل في شهر فبراير القادم، كما صرحت قطر بأنها ما زالت تدرس بجدية إمكانية إلغاء نظام الكفالة للوافدين، وشهد القرار تغطيات صحافية واسعة تناولت تأثير تخفيف القيود تلك على العمال وأصحاب العمل المستثمرين وعلى الدولة ككل، وطرحت وجهات نظر اقتصادية وأخرى حقوقية. فنظام الكفيل المطبق فعليّاً منذ نشأة الدولة وسيلة لتأمين استقدام العمالة الوافدة العربية أو الأجنبية، وبموجبه يتم تقييد حرية تنقل المكفول خارج البلد والحرية في العمل لدى أية جهة أخرى إلا بموافقة الكفيل. لقد تعرض على الدوام نظام الكفالة المطبق في دول الخليج لانتقادات منظمات حقوق الإنسان الدولية والعربية، ودأبت تقارير حقوق الإنسان على الحديث عن فرض الكفيل "العمل القسري" على العمالة، وكانت مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان "نافي بيلاي" في زيارتها الأخيرة لدول الخليج قد دعت إلى إلغاء نظام الكفالة المطبق على العمال الوافدين في دول مجلس التعاون الخليجي واستبداله بقوانين عمل تتيح قدراً أكبر من التوازن بين الحقوق والواجبات. وترتكز الانتقادات الرئيسية لنظام الكفيل في احتجاز جواز سفر العامل من قبل الكفيل، وصعوبة نقل كفالة العامل من كفيل إلى آخر، بالإضافة إلى أمور أخرى كالتحكم في العديد من قرارات العامل فيما يختص بإحضاره لأسرته أو حتى خروجه من البلاد وعودته إليها. فجوهر نظام الكفيل يتمحور حول انتفاء المسؤولية القانونية للمكفول بعيداً عن كفيله، وهو بذلك ينفي الحقوق والتبعات المترتبة على المسؤولية الفردية عن السلوك، ومن ناحية أخرى يتحمل الكفيل المسؤولية القانونية الناتجة عن تصرفات العامل المكفول خارج إطار العمل. كما أدى نظام الكفالة إلى إغراق الدولة بعمالة أجنبية رخيصة وغير مؤهلة تفوق الاحتياج الفعلي لسوق العمل. ويأتي تخفيف القيود كخطوة أولية فيما ينظر إليه كضرورة مجتمعية نحو إلغاء نظام الكفالة حيث طرحت فكرة تأسيس هيئة حكومية تختص باستقدام وتأجير خدمات العمالة بما يحافظ على حقوق العامل ورب العمل، تسيطر هذه الهيئة على حجم العمالة الأجنبية بما سيعكس الاحتياجات الفعلية لسوق العمل، وستتحكم بنوعية العمالة الأجنبية بما يخدم الاقتصاد الوطني وبما من شأنه أن يعكس الاهتمام المتزايد للدولة في رعاية وحماية حقوق الإنسان. وقد اتجهت مملكة البحرين إلى نظام كفالة الدولة بحيث تصبح الدولة هي الكفيل وليس الأفراد أو الشركات حيث استحدثت هيئة تنظيم سوق العمل، وهي مؤسسة تجمع ممثلين للحكومة والعمال وأصحاب الأعمال ويرأسها وزير العمل. والتجربة البحرينية قائمة وقابلة للدراسة والتطبيق. اليوم لا مناص من إلغاء نظام الكفيل والبحث عن نظام أقرب للعدالة.