من المتوقع أن ينتهي بعد أيام، واحد من أشرس الصراعات التي دارت حول الحصول على عقد عسكري مغرٍ في تاريخ القوات الجوية الأميركية، وذلك عندما يتم الإعلان يوم الخميس المقبل، عن إرساء العقد الخاص بشراء طائرات للتزويد بالوقود جواً. وهذا سيمثل مشهد النهاية لكابوس بيروقراطي مفعم بالفضائح، شارك فيه اثنان من شركات صناعة الطيران العملاقة في العالم، كانتا قد خاضتا منافسة محتدمة، تواصلت على مدار عقد كامل من أجل الفوز بهذا العقد. وموضوع العقد المذكور الذي تبلغ قيمته 35 مليار دولار، هو استبدال أسطول من طائرات التزويد بالوقود جواً يعود تاريخ إنتاجه إلى أيام أيزنهاور. وكانت "البنتاجون" قد أرست عطاء شراء تلك الطائرات مرتين قبل أن يتم بعد ذلك إلغاء قرار الإرساء في كل مرة لأسباب منها اتباع أساليب خفية غير أمينة في تلك العملية، وتحديد قواعد للتقييم بطريقة تمييزية مفتقرة للنزاهة. وبصرف النظر عمن يكون الفائز: شركة "بيونج" أو منافستها اللدودة "يروبيان إيرونوتيك ديفنس آند سبيس كومباني EADS" الشركة الأم لـ"إير باص"، فإن الصفقة ستكون بمثابة جائزة اقتصادية سخية لصناعة الطائرات في ولاية كاليفورنيا. ويقول المحللون إنه عقب الانتهاء من تخصيص هذا العقد سيكون هناك احتمال لتوقيع عقود أخرى على مدى عدة عقود، تشمل تصنيع عدد يتراوح ما بين 300 إلى 400 طائرة من الطائرات التي تستخدم للتزويد بالوقود جواً، يمكن أن تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار ولو حصلت "بوينج" على العقد، فذلك سيمكنها من تعيين 4500 موظف جديد، وأن ولاية كاليفورنيا ستستفيد بمبلغ لا يقل عن 233 مليون دولار. أما مصادر وحدة شركة EADS العاملة في أميركا الشمالية، فقالت إنها لو فازت بالصفقة فستكون قادرة على خلق 5200 وظيفة جديدة فيما يقرب من 40 شركة من الشركات التي ستتعاون معها في تصنيع تلك الطائرة في ولاية كاليفورنيا. حول ذلك يقول "لورين طومسون" المحلل العسكري بمعهد"ليكسينجتون" في أرلينجتون بمدينة فرجينيا:"سواء فازت هذه الشركة أو تلك، فإن الحقيقة هي أن هناك الكثير من الأموال التي ستتدفق على الولاية، وتؤدي لتقوية اقتصادها، وتحقيق الاستفادة لعدد كبير من المقاولين الفرعيين الذين يصنعون المحركات، والمواد الإلكترونية، ونواقل السرعات، في تلك الطائرات". والقرار الخاص بإرساء الصفقة له مضامين قومية، وأصداء سياسية قوية. خصوصاً إذا عرفنا أن كل شركة من الشركتين تمتلك اللوبي القوى الخاص بها الذي يعمل في أروقة الكونجرس ويدفع في اتجاه فوزها بالصفقة. وجاذبية هذه الصفقة ترجع إلى عدد الوظائف الكبير الذي ستوفره، والذي يكتسب أهمية كبرى لدى أعضاء الكونجرس، نظراً للبطالة الواسعة النطاق التي تعاني منها البلاد في الوقت الراهن. فعلى سبيل المثال، إذا ما فازت شركة بيونج بالصفقة فإن الجزء الأكبر من عمليات التجميع سوف تتم في مدينة"سياتل".. أما لو فازت بها شركة EADS، فإن لدى الشركة خططاً لبناء مصنع للإنتاج في مدينة"موبايل" بولاية ألاباما. ولكن معظم العمل سيجري في ولاية كاليفورنيا، حيث سيتم تصنيع أجزاء الطائرة المختلفة في مصانع تقع في مدينة "ساوث لاند". وقد استمر العمل من أجل إبرام العقد لما يزيد على عقد من الزمان، ولم يكن الأمر سهلًا على الإطلاق بالنسبة للقوات الجوية الأميركية، وذلك منذ اتخذ قادتها قرارهم الخاص باستبدال أسطولهم القديم المتداعي من طائرات التموين الجوي، والتي يعود تاريخ إنتاج بعضها لخمسين عاماً خلت. ومن المعروف أن القوات الجوية الأميركية تعتمد على طائرات التزويد بالوقود جواً، ليس في الولايات المتحدة فقط، ولكن في مختلف مواقع العمليات التي تنخرط فيها القوات المسلحة الأميركية، ومع ذلك عجز "البنتاجون" مرتين عن إرساء العقد بسبب شبهات أحاطت بالعملية. ويُشار إلى أن الجهود الخاصة باستبدال أسطول طائرات التزويد بالوقود جواً كانت قد بدأت عام 2001، وأن شركة "بيونج" فازت بالعقد الأول عام 2004، قبل أن يتم إلغاؤه على خلفية فضيحة أخلاقية أدت إلى صدور الحكم بالسجن على مدير تنفيذي كبير بالشركة، ومسؤول سابق عالي الرتبة في القوات الجوية الأميركية. وعندما أعاد "البنتاجون" طرح المناقصة مجدداً عام 2007، قررت شركة"نورثروب جرومان كورب الأميركية" تشكيل ائتلاف مع فرعي شركة EADS في كل من فرنسا وألمانيا، على الرغم من رد الفعل العكسي السياسي الذي ترتب على ذلك بالنسبة للشركة جراء اتهامها بالتعامل مع كيانات أجنبية. بعد ذلك، وبعد الكثير من النزاعات والمشكلات، انتهى الأمر بانفراد شركة EADS بتقديم العطاء من خلال فرعها في أميركا الشمالية، وهي خطوة يصفها المراقبون بأنها تنطوي على حكمة، خصوصاً أن العديد من المسؤولين داخل الجهة المختصة بالصفقة في القوات الجوية يعتقدون أنها -شركة EADS - ستفوز بالصفقة في النهاية. ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. ففي الخريف الماضي خلط موظفو البنتاجون - بالخطأ - عناوين الشركتين، وقاموا - عن غير قصد - كما ادعوا بإعطاء كل شركة معلومات سرية عن العطاء الذي تقدمت به الأخرى، وهو الأمر الذي يقول المراقبون إنه قد يدفع الشركة الخاسرة لتقديم استئناف ضد قرار إرساء الصفقة بعد صدور هذا القرار يوم الخميس المقبل. ------- دبليو جيه هينيجان كاتب أميركي متخصص في شؤون التقنية العسكرية ينشر بترتيب خاص مع خدمة"إم.سي. تي إنترناشيونال"