النخبة القلقة: مقاعد حكم العراق!
"الصفوة العراقية بين النجاح والفشل"، كتاب يناقش فيه مؤلفه الدكتور خالد التميمي، ماهية الصفوة العراقية، مُبرزاً المراحل الكبرى لتشكلها وأطياف مكوناتها وأهم انشغالاتها. والكتاب "ثمرة دراسة وثائقية وعلاقات شخصية ومراقبة مباشرة، لأكثر من نصف قرن للصفوة العراقية"، وهو يتضمن بحثاً تاريخياً حول أهم نماذج النخبة العراقية التي لعبت أدواراً قيادية في تحديد اتجاه مسيرة المجتمع والدولة في العراق الحديث، لاسيما خلال القرن الماضي الذي شهد نصفه الأول قيام المملكة العراقية بملوكها الثلاث (فيصل الأول وغازي الأول وفيصل الثاني)، بينما شهد النصف الثاني فوضى الانقلابات العسكرية الأربعة التي انتهت بانقلاب عام 1968، والذي يرى المؤلف أنه أفرز أسوأ نظام سياسي في تاريخ البلاد. ففي عهده حكمت العراق صفوة أنهكته وأذلته وأدخلته في سلسلة من الحروب العبثية انتهت به إلى أن "أصبح بلداً مستباحاً ومكبلا باستحقاقات دولية".
ويتناول الكتاب تلاوين الصفوة العراقية، السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية والعسكرية والتجارية والنسائية والعلمية... كما يلقي الضوء على علاقاتها بمحيطها المحلي والإقليمي والعالمي، ومواقفها بين التغيير والمحافظة، الانفتاح والانغلاق، اليمين واليسار، الماضوية والتقدمية. لكنه قبل ذلك يؤكد أن الصفوة العراقية، وإن عاشت بخصوصياتها جغرافياً شبه منفصلة بين ثلاث ولايات، بغداد والموصل والبصرة، فإنها كانت ذات إحساس عراقي واحد، وقد أثبتت ذلك بمواقفها خلال غالبية الأحداث التي واكبت إنشاء العراق الحديث، حيث لعبت دوراً أساسياً في قيادة المجتمع وتوجيهه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً طيلة القرون الماضية حتى وقوع انقلاب عام 1958 الذي يعتقد المؤلف أنه أحدث تغيراً كبيراً في طبائع وولاءات غالبية أفراد الصفوة العراقية، مما أثر في المجتمع العراقي عموماً.
وكما يبين الكتاب، فقد شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر إقبالا واسعاً من قبل أبناء الصفوة العراقية في ولايتي بغداد والموصل، على التعليم العالي في اختصاصات القانون والطب والعسكرية، وكانت المدارس العسكرية في اسطنبول هي الأكثر إغراءً لطموحات الطلاب العراقيين، بسبب ما يضفيه المنصب العسكري من الجاه والنفوذ الذي يناله الضباط. ومنذ مطلع القرن العشرين وجدت الصفوة العسكرية العراقية نفسها تنخرط في خضم السياسة العامة التي كانت تعصف بالدولة العثمانية. وبين مطرقة التسلط العثماني (حكومة الاتحاديين ذات التعصب القومي التركي)، وسندان الترغيب والترهيب من قبل "الحلفاء" الغربيين وإلى جانبهم أنصار الثورة العربية... كانت الصفوة العسكرية والسياسية العراقية تعاني من فقرها المزمن في فهم السياسة الدولية، وافتقارها لما تحتاجه من المعلومات المتعلقة بدول الغرب وخططها التكتيكية والاستراتيجية إزاء العراق ومحيطه الإقليمي عامة.
ويعتقد المؤلف أن بعض ذلك الضعف المعرفي رافق النخبة العسكرية والسياسية العراقية خلال العقود اللاحقة، وهو ما ظهر جلياً في سلوكها، لاسيما وهي في مقاعد الحكم والسيطرة، خاصة منذ أوائل الستينيات حيث دخل العراق مرحلة التراجع في ظل الأنظمة الاستبدادية التي نشرت القيم القبلية والبدوية وأصرت على إبقاء الصفوة العراقية ذكورية كما كانت في بداية القرن التاسع عشر. فعقب سقوط النظام الملكي شهد العراق حملة اضطهاد وإذلال واسعة ومحاكمات غير عادلة، تشرد على إثرها خيرة وجوه الصفوة العراقية خارج وطنهم. وتوسعت هذه الحملة وتضاعفت حدتها عقب انقلاب عام 1968 الذي أعقبته موجة اغتيالات أودت بحياة كثير ممن كانوا يعتبرون صفوة المجتمع السياسية والاجتماعية. هذا إلى جانب المحاكمات الصورية، وحفلات الإعدام السرية والعلنية ضد الساسة والوجهاء وزعماء العشائر وكبار التجار. وبالطبع فإن تلك الحالة لم تستثن الصفوة الدينية من التهم المزيفة كالخيانة والتآمر، حيث أعدم من العلماء من أعدم وغادر العراق من غادره.
وبذلك يعتقد المؤلف أن قلق الصفوة العراقية وتقلباتها، في الوفاء والولاء، لا يزال قائماً ومؤثراً في الحياة السياسية والاجتماعية العراقية برمتها، بل تحول الأمر إلى ظاهرة تُدخِلها في اعتبارها أهم مراكز التخطيط واتخاذ القرارات الاستراتيجية، السياسية والاقتصادية والعسكرية، في العالم خلال تعاملها مع العراق.
محمد ولد المنى
الكتاب: الصفوة العراقية بين النجاح والفشل
المؤلف: د. خالد التميمي
الناشر: دار كنوز المعرفة
تاريخ النشر: 2011