كيف بدأ تجديد الأدب التركي؟ ومن قاد تيارات تحديثه؟ يشار إلى عام 1859 كبداية للأدب التركي الحديث، وذلك عندما قام الأديب "إبراهيم شناسي" بنشر كتيب مصور يحوي نحو مئة قطعة شعرية مترجمة عن اللغة الفرنسية، من قصائد راسين ولافونتين ولامارتين وفينيلون وآخرين. وفي العام نفسه، يقول "برنارد لويس"، قام "منيف باشا"، مؤسس الجمعية العلمية، بنشر مجموعة من الحوارات المترجمة عن فونتنيل وفينيلون وفولتير، معرفاً القراء علي بعض الأفكار والمفاهيم الجديدة حول "الوطنية" و"الأخلاق الاجتماعية" و"تعليم الإناث" وغير ذلك. وسرعان ما نشطت حركة الترجمة في الدولة العثمانية، وكان من نتائجها ظهور بعض الأنواع الأدبية الجديدة في الأدب التركي، كالدراما والرواية، وكذلك تآلف القراء والجمهور مع الكثير من العادات والمسلكيات الغربية. ومن أبرز الأسماء التركية الأدبية في هذه المرحلة "شناسي" (1826-1871) وتلميذه "ضياء باشا" (1825-1880) ونامق كمال (1840-1888) وتلميذه عبدالحق حامد (1852-1937). سبقت "حركة الشباب العثمانيين" حركة "تركيا الفتاة" في الظهور والتأسيس، وبالرغم من أن هذه الحركة كانت حصيلة مؤثرات عدة، فإنها من الناحية الفكرية اعتمدت على شخص واحد هو "إبراهيم شناسي أفندي". وُلد "شِناسي" في عائلة ميسورة الحال، وبدأ عمله في سلاح المدفعية العثماني "توبخانة قلمي". وقد تتلمذ وهو في هذه الوظيفة على يد موظف فرنسي كان قد اعتنق الإسلام، "رشاد بيه"، فأتقن الفرنسية، وتم إيفاده إلي أوروبا حيث بقي في باريس عدة سنوات، يدرس الأدب والتمويل! وكان ممن رافقهم هناك "صاموئيل دي ساسي" ابن المستشرق الشهير سلفستر دي ساسي، كما كان على صحبة جيدة مع الأديب الفرنسي البارز "لامارتين"، وعلى احتكاك ببعض الأوساط الليبرالية في العاصمة الفرنسية. وبعد عودته إلى اسطنبول انهمك لبعض الوقت في أعمال الترجمة الأدبية، ثم أصدر مع أحد أصدقائه عام 1860 مجلة "ترجمان أحوال" التي ما لبثت أن توقفت، لينفرد "شناسي" بإصدار مجلة "تصوير أفكار" التي كانت تصدر مرتين أسبوعياً، والتي سرعان ما غدت أهم أدوات نشر الآداب الجديدة والأفكار التحررية. هرب شناسي إلى باريس عام 1865 لأسباب سياسية على الأرجح، وأمضى معظم وقته هناك في البحث والدراسة ومحاولة إنجاز قاموس تركي-فرنسي موسع، لم ينجزه في الواقع. وتوسطت زوجته لدى السلطات لإصدار عفو عنه دون علمه، فعاد إلى تركيا لمدة خمسة أيام، قام خلالها بتطليق زوجته.. ثم عاد أدراجه إلى باريس! غير أنه وجد نفسه مضطراً إلى ترك باريس إثر حرب 1870 الألمانية-الفرنسية، حيث عاش هذه المرة منعزلاً منفرداً إلى أن توفي بسرطان الدماغ، في سبتمبر 1871. كان شناسي من دعاة تحديث الأدب العثماني على الطراز الغربي والآداب الأوروبية، وردم الفجوة بين الأدب والجماهير، وتخليص التركية العثمانية من المفردات الفارسية والعربية. وقد فتح المجال لنشر الكثير من المقالات الفكرية والإصلاحية التي تتحدث عن "سر قوة الغرب"، والتي رآها في تشجيع الفكر والعمل والابتكار. كان شناسي ورفاقه ضد "شعر الديوان"، والأدب العثماني الكلاسيكي الذي كان قد ظهر تحت التأثير المباشر للشعر العربي والعروض، وتعود بداياته إلى القرن الثاني عشر. وكان شعراء الديوان يجمعون أشعارهم في دواوين خاصة، لذلك سموا شعراء الديوان. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، وقع الأدب التركي كما ذكرنا، تحت تأثير المذاهب الأدبية الأوروبية وبدأت حركة أدبية جديدة سميت بحركات التنظيمات. وقد رحب بهذه الفكرة كثير من الأدباء والشعراء الأتراك، ممن التفوا حول مجلة "ترجمان أحوال" ورئيس تحريرها إبراهيم شناسي. وكان من أشهر كتابها أحمد رفيق وأحمد مدحت ونامق كمال. وهذه هي مرحلة التأثر بالأدب الأوروبي، وتمتد من عام 1850 حتى عام 1910، حيث يبدأ الأدب التركي المعاصر. من بين أدباء حركة العثمانيين الشباب The Young Ottoman، رفاق إبراهيم شناسي وضياء باشا، الأديب العثماني البارز "نامق كمال"، الذي لا يزال يحتفظ بمكانته وشهرته منذ بروزه في القرن التاسع عشر حتى اليوم. فلا تزال أعماله مقروءة، وقصائده الوطنية والحماسية في كل كتب المختارات الشعرية والكتب الأدبية، إلى جانب دوره المهم في تحديث الأدب التركي وإلحاقه بالأدب العالمي. كان محمد نامق كمال قد ولد في "تيكر داغ" التي تتبع اليونان حالياً، وكان والده "مصطفى عاصم بيه" فلكي البلاط، ومن هنا كان أرستقراطياً بالولادة. وقد تلقى تعليماً فردياً خاصاً، ودرس الفارسية والعربية والفرنسية، حيث عمل في مكتب الترجمة الحكومية، وكان يقرض الشعر العثماني التقليدي ثم وقع تحت تأثير شعراء مجلة إبراهيم شناسي "تصوير أفكار"، وفي عام 1865 تولى تحرير المجلة، عندما فرّ شناسي إلى باريس. غير أن كمال اصطدم بدوره بالسلطات، ولحق مع جمع من حركة العثمانيين الشباب بالأديب شناسي في المهجر أو المنفى الفرنسي. وصار كمال يشغل وقته بالترجمة لبعض كبار الأدب الفرنسي، مثل هوغو وروسو ومونتسكيو. كما أصدر وهو في فرنسا صحيفة "حريت". وبعد فترة من غضب الحكومة ورضاها، والسجن في قبرص والنفي، عين حاكماً لجزيرة ساكيز عام 1888. يُعد كمال أحد رواد الحركة الأدبية التركية الحديثة في القرن التاسع عشر، وقد رفض كمال الأشكال الأدبية العثمانية الموروثة، واختار الرواية والمسرح أدوات للتعبير عن أفكاره السياسية والاجتماعية. ورغم أسلوبه الرومانسي المحلق، المتأثر بالأدباء الفرنسيين المتأخرين في المدرسة الرومانسية، فإن له تأثيراً بارزاً، ويعد إنتاجه تطوراً مهماً في الأدب التركي. في المجال السياسي-الاجتماعي، كانت فكرتا "الوطن" و"الحرية" محور اهتمامه، حيث تمكنت جهوده من إدخال المصطلحين عملياً في اللغة التركية. ورغم ليبراليته لم يرفض الإسلام في رؤيته الإصلاحية ومشروعه النهضوي، إذ كان يراه منسجماً مع مجتمع تركي عصري بحكومة دستورية على النمط الانجليزي. (الموسوعة البريطانية، 1980). ويقول "ماردين" إن كمال كتب مقالات متوالية محاولاً إقناع شعبه بضرورة تبني النموذج الأوروبي وبخاصة الإنجليزي، إذ كان من المعجبين أشد الإعجاب بنمط حكومتها وتفوقها في مجالات عديدة، من القصر البللوري Crystal Palace، المبنى الزجاجي الفخم الذي أقيم في عام 1851 بمناسبة افتتاح معرض لندن، إلى نظام بريطانيا التعليمي، وحركة الصحافة والطباعة والنشر، واستخدام الكهرباء والبخار. بل حتى البوليس البريطاني الذي مع تقدم المجتمع وانتشار التعليم، لم يعد لديه ما ينشغل به، كما يقول كمال، سوى تنظيم المرور وتهدئة بعض السكارى المتشاجرين! وذهب إلى أن أوروبا حققت هذه النتائج المذهلة في تقدمها بفصل قوانينها عن "الأفكار المجردة" و"الخرافات"، وهكذا أصدرت فرنسا لائحة حقوق الإنسان، بينما لم تصدر السلطات العثمانية ما يشبه هذه اللائحة بعد صدور قوانين "التنظيمات"، وبدء الحركة الإصلاحية، ولهذا لم تلحق بركب التقدم. ترك الأديب نامق كمال تراثاً زاخراً، فبالإضافة إلى عدد هائل من المقالات، وضع ست مسرحيات، ومجموعة من التراجم القصيرة وثلاث روايات، وكتابات أخرى، وقد كان لهذا الإنتاج كله أثر كبير على الكتاب والمفكرين في تركيا. لعب "ضياء باشا"، إلى جانب "إبراهيم شناسي" أستاذه، والأديب "نامق كمال"، دوراً مهماً في إيجاد البيئة الأدبية والفكرية الحديثة في الدولة العثمانية. وبينما كان كمال مُنظِّراً حالماً، كان ضياء باشا مهموماً بواقع الحياة الإدارية للدولة العثمانية، وكان كذلك أكثر حرصاً وحصافة منه. ولعل السبب في هذا أن ضياء باشا، كان قد التحق بمجموعة الشباب العثمانيين وهو يحمل خبرة سياسية واسعة. كان والده موظف جمارك بسيطاً عندما ولد عام 1825. وقد أتم ضياء المدرسة القرآنية، ودرس في مدارس أخرى قبل أن يدخل مكتب الترجمة، وفي عام 1855 تولى وظيفة إدارية في القصر، ونصحه أدهم باشا، قائد قوات القصر، بأن يتعلم لغة أجنبية. فكان أن أقبل على الفرنسية، وصار يترجم منها بعض الأعمال مثل كتاب "Viardot" "تاريخ مسلمي إسبانيا"، وتاريخ لافالي Lavallee عن محاكم التفتيش، وبدأ يعد لترجمة "أميل" لجان جاك روسو. غير أن ضياء باشا فقد التشجيع بوفاة راعيه مصطفى رشيد باشا. لعب ضياء باشا كما ذكرنا دوراً مهماً في تحرير مقالات صحيفة "الحرية" بالتعاون مع نامق كمال، وتوفي مُهمَلاً عام 1880.