في الصراع المحتدم بين محتجي "وول ستريت" والآخرين يطغى خطاب فحواه أن الحرب تدور بين أغلبية الشعب الأميركي و1 في المئة من الأغنياء الذين توجه إليهم أسهم النقد، فالأغنياء، حسب هذا الخطاب الذائع، يسيطرون على معظم ثروات البلاد ويمولون المرشحين السياسيين المفضلين لديهم ويتحكمون في البنوك، ويحصلون على رواتب تصل إلى ملايين الدولارات، كما يستفيدون من خطط إنقاذ تقدر بمليارات الدولارات، وهم نفسهم "المليونيرات والمليارديرات" الذين دعاهم أوباما إلى دفع المزيد من الضرائب لتمويل الإصلاحات التقدمية في الرعاية الصحية والقطاع المصرفي والضرائب والنظام السياسي. وبهذا المعنى تتحول تلك الشريحة التي لا تتعدى نسبتها 1 في المئة إلى عدو لنا نحن الذين نشكل 99 في المئة من الشعب الذين يكدون من أجل رواتب ضعيفة، ويتورطون في رهون عقارية صعبة، وتتعرض منازلهم للحجز، كما يعانون من فترات ممتدة من البطالة والتسريحات عندما تغلق المصانع أبوابها. ومع ذلك نستمر في دفع حصتنا من الضرائب، بيد أن هذا التعارض ينطوي على مغالطة كبيرة، بحيث تنظر حركة احتلوا "وول ستريت" إلى فئة 1 في المئة على أنها شريحة متجانسة من الأغنياء وأصحاب الثروات الطائلة الذين كل همهم حماية مصالحهم وإحكام سيطرتهم على دواليب الاقتصاد. والحال أن أي نظرة متمعنة في تلك الشريحة تكشف لنا حقيقة مختلفة، والبداية من مجلة "فوربز" التي تضع قائمة من أغنى 400 شخصية أميركية كل عام، فحتى يندرج اسم ما ضمن اللائحة يجب أن تصل ثورة الشخص على الأقل إلى مليار دولار، ليشكل هؤلاء صفوة الصفوة في المجتمع الأميركي، فمن تكون تلك الشريحة؟ من الأسماء المعروفة التي انضمت إلى قائمة "فوربس" لهذا العام "ستيف جوبز"، الذي ما كان ليتردد في الانضمام إلى الحركة الاحتجاجية في بداية حياته، فهل نعتبره واحداً منا، أو من الأقلية التي تُنصب لها المشانق؟ ثم هناك "مارك زوكرمان" الذي بالكاد تجاوز 27 سنة ومع ذلك احتل المرتبة 14 في قائمة أغنى الأميركيين، وكان اختراعه المتمثل في شبكة التواصل "فيسبوك" هو من سهل على حركة "وول ستريت" الاحتجاجية مهمة التواصل والتنسيق، وإلى جانب "زوكرمان" هناك خمسة من مديري "فيسبوك" اختارتهم "فوربس" على رأس قائمتها، وسنتعرف أيضاً ضمن القائمة على شخصيات غيرت حياة الأميركيين والعالم من أمثال "سيرجي برين" و"لاري بيج" و"إيريك شميت"، الذين باتوا من أصحاب المليارات بتطويرهم لمحرك البحث الأشهر "جوجل". وفيما يحتسي المحتجون في الشوارع الأميركية قهوتهم المفضلة، عليهم أن يدركوا أن "هوارد شولز" مؤسسة سلسلة "ستاربوكس" هو أحد الأفراد المنتمين إلى قائمة "فوربس" لأغنى الأميركيين خلال هذا العام، فهل "شولز" معنا نحن الأغلبية، أم مع الأقلية المحتكرة للثورة والنفوذ؟ وبالطبع ليست كل الشخصيات الذين اختارتهم مجلة "فوربس" باعتبارهم أغنى الأميركيين هم من المبتكرين في مجال التكنولوجيا، بل هناك من ورثوا الثروة عن آبائهم، لكن يبقى أن 70 في المئة من لائحة أغنى 400 شخصية في أميركا هم من العصاميين الذين صنعوا ثورتهم بأنفسهم، والأكثر من ذلك كان أغلب هؤلاء الذين احتلوا مكاناً في تصنيف المجلة أناساً عاديين مثلنا، حيث بدأ "ستيف جوبز" مشروعه في مرآب للسيارات بموازنة متواضعة، ولم تكن الثورة هي من أعطته الانطلاقة بقدر ما كانت الرؤية التي أوصلته إلى النجاح ثم الغنى، والأمر نفسه ينطبق على "أوبرا وينفري"، التي انطلقت من الفقر لتحوز الشهرة والثروة من خلال التصميم وسلسلة من البرامج الناجحة. والحقيقة أن تلك القصص الملهمة للنجاح والانطلاق من الحضيض إلى القمة هي ما يميز أميركا، ويجعل منها الأمة الفريدة والمزدهرة التي هي عليها الآن، ورغم أن البعض يروج لفكرة موت الحلم الأميركي وتحوله إلى سراب، فإن أصحاب هذا الرأي هم فقط الفاقدون للرؤية والشجاعة والطاقة للعمل والإبداع، أما بالنسبة للمبدعين الذين يتمتعون بروح المبادرة الحرة، فهم لم يخامرهم الشك أبداً في وجود الحلم الأميركي وإمكانية النجاح، لذا فإن ما يحرك محتجي "وول ستريت" ليس في الحقيقة الاستياء من الأغنياء ولا التهجم على 1 في المئة من الأميركيين، بل شعور طاغ بالغضب من الطريقة التي تتعامل بها واشنطن مع الأزمة الاقتصادية. فمع وصول نسبة البطالة إلى 9 في المئة واستمرار إغلاق المصانع والحجز على البيوت وتقليص الخدمات العامة هناك كم هائل من الغضب يحتاج التنفيس، وفي كل الأحوال لن يسهم الصراع الطبقي في حل المشكلات المستعصية، فإحباطنا هو موجه لواشنطن أكثر من "وول ستريت"، لا سيما بعد الوعود الكبيرة للسياسيين والإنجاز المتواضع على أرض الواقع. وقد بدأ أوباما هذه العملية عندما تعهد بحل أزمة الاقتصاد بعد المصادقة على خطة الإنقاذ لعام 2009 فقط لتستمر الصعوبات، وبسبب مجموعة من السياسات الفاشلة والانسدادات التي ميزت العمل السياسي بات الناس أكثر استياء، وهو ما يتعين معالجته في واشنطن وبين النخبة السياسية بعيداً عن تحميل أصحاب الثورة المسؤولية، فهؤلاء الذين حققوا ثروات طائلة بأفكارهم الجديدة وابتكاراتهم غير المسبوقة في التكنولوجيا لا يمكن أبداً نعتهم بالجشع والتنكر للمجتمع، بل يتعين الاحتفاء بحس المبادرة لديهم وتوسيع رقعتها لتضمن فئات أوسع من الأميركيين، فلو كانت لدينا أعداد أكبر منهم وأقل من السياسيين أصحاب الخطاب الرنانة لكنا أفضل حالاً مما نحن عليه اليوم. ------ برادلي شيلر أستاذ الاقتصاد بجامعة نيفادا الأميركية ------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشونال"