على بعد أميال من هذه المنطقة على طول الساحل الغرانيتي الزهري اللون لخليج "سينت لورانس"، هناك خليج صغير شهد النطاق الكامل لعلاقة البشر بالحيتان. منذ نحو 500 سنة، انطلقت أساطيل صيادي الحيتان من إقليم "الباسك"، وتوغّلت بعيداً عن مياه موطنها في خليج "بيسكي" وأقامت مخيماً على قوس الشاطئ المفروش بالحصى. واستنزف الصيادون القطعان المحلية لنوع من الحيتان كبيرة الرأس، كما وجدوا أهدافاً كثيرة لهم في المياه التي يبلغ عمقها 900 قدم قبالة الشاطئ تماماً. كانوا يسحبون الحيوانات العملاقة المصابة بالحراب إلى المياه الضحلة اعتماداً على المد المتصاعد؛ وعندما ينحسر الماء، يجردون الدهن من لحمها ويستخلصون بالغلي زيت المصابيح وزيت الطهي الثمين. وكان المد يحمل بعد ارتفاعه مرة أخرى ما يبقى من أجسامها إلى البحر.
وبات الخليج نفسه اليوم موطناً لنوع مختلف من الأساطيل. فلعدة مرات يومياً، تنزلق مجموعة جديدة مختارة من السياح إلى قوارب صفراء وحمراء ويجدفون مبتعدين. وطريدتهم هي الحيتان أيضاً، لكن الزوّار يحسدونها وهي على قيد الحياة ولا يحسدونها وهي ميتة. وتتدفق حيتان "المينكي" الصغيرة وتلك ذات الزعانف العملاقة وتتغذى بين مجموعات الدلافين وحيوانات الفقمة.
لكن حتى مع تضاؤل عدد الحيتان كمورد وتعزيزها لمكانتها كأيقونة بيئية، يتعاظم الضغط الآن لوضع نهاية لفترة صيد الحيتان التجاري، باعتبار أن مراقبة الحيتان الآن باتت قطاعاً بقيمة مليار دولار.
وتقول مجموعة صغيرة من البلدان وفي مقدمتها اليابان والنرويج وآيسلندا، إن بعض القطعان تعافت إلى حد يكفي لحمايتها وأكلها معاً. ويقال إن الحيتان هي المكافئ البحري الأساسي لـ"البيسون" (الثور الأميركي) المهيب الذي تعرض للذبح فاقترب من الانقراض، والذي يحظى بالحماية الآن ويتم تحويله إلى شرائح لحم "البيرغر".
من الصعب العثور على عالم حيتان لا يوافق، بخصوص الأرقام وحدها، على أن بعض قطعان الحيتان قابلة للصيد. وتبقى تجمعات كتجمعات الحوت الأزرق الذي يصل طوله إلى 100 قدم، وهو أكبر حيوان يسكن على هذا الكوكب، مستنزفة بشدة بعد عقود من انتهاء الصيد المكثف. لكن الخبراء يقولون إن شعار "أنقذوا الحيتان" لا ينطبق على قطعان أنواع معينة من حوت العنبر و"المينكي" وأنواع أخرى. ذلك لأنها عادت.
قبل عقد، وافقت اللجنة الدولية لصيد الحيتان على خطط إدارية معنية بحصص صيد القطعان الكثيفة، ووافق عدد كبير من مستشاريها العلماء على أن الحصص لن تعرض هذه الأنواع للخطر.
وتقول اليابان وحلفاؤها إن فترة التعليق المؤقت تغيرت بفعل الثقافات المناهضة لصيد الحيتان من استراتيجية لإعادة الحيتان إلى أعداد قابلة للصيد وصارت دفاعاً غير محدود ضد صيدها.
وما زال خبراء كُثر يصرون على أن من السابق لأوانه استئناف الصيد واسع النطاق، نظراً لنقص المعلومات حول القوى المحركة لقطعان الحيتان ولمقدار ما كان في مجال صيدها من جشع وبلاغات كاذبة. والانشقاقات الثقافية والتاريخية حول الحيتان أشد من الجدل العلمي والتنظيمي.
ومنذ1971، عندما كانت جماعة "السلام الأخضر" تصور عملية صيد الحيتان عن كثب، صارت البلدان الغربية أكثر احتراماً لهذه الحيوانات باعتبارها كائناً غريباً لطيفاً. لا بل إن أغاني الحيتان تم إرسالها إلى خارج المجموعة الشمسية على متن السفينة "فوياجير".
لكن في بلدان مثل اليابان، حيث كان اللحم الوحيد لوجبات الغداء في المدارس بعد الحرب العالمية الثانية هو لحم الحيتان، أصبح حق الذهاب إلى صيد الحيتان مسألة فخر قومي.
وفي النرويج، التي اخترعت صيد الحيتان على نطاق صناعي، كان احترام الحيتان وكرْهُ صيدها، على حد قول المدير العام لوزارة المصائد "هافلاند يوهانسن"، نتيجة لابتعاد المجتمعات الحديثة عن مصادر اللحوم. وقال "يوهانسن" إنه "نشأ في مزرعة صغيرة في شمال النرويج. وفي الربيع كنا نلعب مع الحملان، لكن لم يمانع أحد ضد أكلها في الخريف. كان ذلك وما يزال جزءاً من الحياة... والآن معظم الناس لا يرون اللحم إلاّ ملفوفاً بالبلاستيك".
ويقول الكثير من الناشطين وعلماء البيولوجيا إن الحيتان قضية خاصة. و"كثير من الناس"، على حد قول العالم "روجر بين" الذي كان من أوائل من درسوا أغاني تزاوج الحوت الأحدب،"يرغبون في التفكير بالحيتان كأنها شعراء وفلاسفة سابحون حول المحيط تفكر في الأفكار العميقة، وذلك ليس صحيحاً. لكن لسببٍ ما، يتأثرون بهذه الحيوانات. ربما أن السبب حجمها. أو أن لرشاقتها علاقة ما بذلك. لكن هناك حقاً جو من الغموض حولها".
وأدى افتتان البشر بالحيتان إلى إيجاد ثقل مقابل للقوى المؤيدة لصيد الحيتان، وهي مئات الشركات التي تدير أنشطة لمراقبة الحيتان في 87 بلداً، بما فيها تلك الساعية إلى إنهاء الحظر على الصيد التجاري. وحدثت زيادة مطّردة في صيد الحيتان باعتبار أن البلدان المؤيدة لصيد الحيتان استخدمت، من المعاهدة المعنية بالصيد، فقرات يسميها المنتقدون بالثقوب لكي تواصل الصيد. ولم تتوقف