الجيش الأميركي... وحروب مكافحة التمرد
شكلت الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في العقد الأخير منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر فرصة أمام المهتمين بأمور الدفاع لتقييم الأداء العسكري الأميركي خلال السنوات العشر الماضية وما تخللها من نجاحات وإخفاقات، سواء تعلق الأمر بأفغانستان التي شهدت انطلاقة الحرب الأميركية على الإرهاب، أو بالعراق الذي احترقت فيه أصابع أميركا فسارعت للخروج منه لتقليل خسائرها. هذا التقييم يناقشه الصحفي والمتخصص في الشؤون العسكرية، فريد كابلان، في كتابه الذي نعرضه هنا، «ديفيد بترايوس وخطة تغيير الأسلوب الأميركي في شن الحروب»، حيث يستعرض العقيدة العسكرية الأميركية طيلة العقود الأخيرة وما لحقها من تغيرات جوهرية، فضلاً عن الطريقة التي تم بها التغيير ومدى الاستجابة لمتطلباته، وأخيراً تقييم أثر هذا التبدل في العقيدة العسكرية على الأداء الميداني في أرض المعركة، متخذاً من أفغانستان والعراق نماذج للتقييم واستخلاص الدروس. ويعتبر الكتاب دراسةً للأسلوب الذي قاربت به الولايات المتحدة حروبها في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي والتطور الذي شهده الجيش الأميركي في محاولته التأقلم مع واقع عالمي جديد وخريطة جيوسياسية مختلفة حتمت عليه تغيير أهم أفكاره بشأن الحرب.
لكن، وفيما كانت العقيدة العسكرية للجيش الأميركي تتمحور أساساً حول خوض الحروب التقليدية مع جيوش نظامية، ظهرت في قلب الجيش مجموعة، يقول الكاتب، من الضباط الطامحين الذين بدؤوا يقرؤون المستجدات العالمية بنظرة مختلفة، وكان انهيار الاتحاد السوفييتي ونشوء أخطار وتحديات جديدة محفزاً لهم لإعادة فتح ملف العقيدة العسكرية، ومن بين هؤلاء كان الضابط الشاب، ديفيد بترايوس الذي اختلف عن طراز الضابط الذين صقلوا مهاراتهم في حرب فيتنام، أو حتى الحرب العالمية الثانية. ولأن المعسكر الشرقي صار جزءاً من التاريخ، فقد اختفت المخاوف القديمة من هجوم سوفييتي محتمل لتكتسي الحروب طابعاً مختلفاً. وظهر ذلك جلياً في الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وما زال الاختلاف متجلياً في أفغانستان، حينها برز نجم الجنرال بترايوس الذي كان في بدايته مكلفاً بتدريب القوات العراقية وأبلى بلاء حسناً في مدينة الموصل التي كان مشرفاً على قواتها، لكن عقيدة بترايوس الجديدة المتمثلة في مكافحة التمرد لم تكتمل، إلا بعدما عاد إلى أميركا قبل أن يكلف من جديد بمهمة قيادة القوات الأميركية في العراق. فخلال تلك الفترة المستقطعة عكف بترايوس، إلى جانب عدد من الضباط الشباب الذي جربوا صعوبة التعامل مع بيئات مختلفة في العراق وأفغانستان، على إعادة صياغة العقيدة العسكرية للجيش لتتحول من مجرد مواجهة الجيوش النظامية، إلى مكافحة التمرد. هذا الأمر تطلب تكتكيات جديدة اعتمد عليها بترايوس في حربه بالعراق مثل فك الارتباط بين المتمردين والسكان المدنيين، وإرشاء العناصر القبلية المستعدة لإدارة ظهرها للتمرد، ثم تدريب قوات محلية تحظى بصدقية الأهالي.
بيد أن عملية التغيير تلك لم تكن سهلة، حيث واجهت مقاومة من الجهاز البيروقراطي داخل البنتاجون، ورفض بعض الجنرالات من الجيل القديم الانخراط في مهام اعتبروها غريبة عن الوظيفة الأساسية للجيش، فأنكروا التورط في عمليات فرض الاستقرار وإعادة الإعمار وتدريب القوات وغيرها، لكن بترايوس وضباطه استماتوا في الدفاع عن عقيدتهم ساعدهم في ذلك المهارات التواصلية لبترايوس نفسه وتوظيفه لوسائل الإعلام في الدفاع عن فكرته، فضلاً عن تململ الرأي العام الداخلي من استطالة الحرب في العراق. وكانت النتيجة أن أشرف بترايوس نفسه على صياغة كتب الحرب الإرشادية المستخدمة في المعاهد والأكاديميات العسكرية الأميركية لتصبح مكافحة التمرد إحدى الأركان الأساسية للجيش الأميركي. وعندما رجع بترايوس إلى العراق كقائد للقوات الأميركية، يقول الكاتب، كانت الظروف الموضوعية قد ساهمت في إنجاح عقيدة مكافحة التمرد، أهمها تراجع العشائر السنية في محافظات غرب العراق عن دعم «القاعدة»، ووقف مقتدى الصدر نشاط جيش المهدي، هذا فضلاً عن مناخ سياسي مساعد في واشنطن مع قدوم أوباما ورغبته في إنهاء عقد من الحروب الأميركية.
لكن ما بدا وكأنه ثورة في العقيدة العسكرية الأميركية التي جاء بها بترايوس وزملاؤه خلال حالة الركود والتكلس التي طغت على المؤسسة العسكرية الأميركية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. والكاتب يرى أن تكتيكات مكافحة التمرد، وفرض الاستقرار وإعادة الإعمار التي سنها الجيش الأميركي في العراق، لم تأت أكلها في أفغانستان بسبب اختلاف طبيعة الشعبين وتعقد الوضع السياسي، كما أن بترايوس وجماعة الضباط الجدد الذين قاوموا الجيل السابق تحولوا إلى عائق أمام تأقلم من نوع جديد يخرج قوات التحالف في أفغانستان من تخبطها، ولئن كانت مكافحة الإرهاب برزت في البداية كفكرة ثورية داخل أروقة البنتاجون، إلا أنها تحولت إلى فكرة تقليدية هي في حاجة اليوم إلى تطوير لمواجهة التحديات الجديدة.
زهير الكساب
------
الكتاب: ديفيد بترايوس وخطة تغيير الأسلوب الأميركي في شن الحروب
المؤلف: فريد كابلان
الناشر: سيمون أند شوستر
تاريخ النشر: 2013